الرئيسيةمقالاتجدلية الوعي والممارسة: هل البيئة السودانية مهيأة لإنتاج إنسان ديمقراطي؟

جدلية الوعي والممارسة: هل البيئة السودانية مهيأة لإنتاج إنسان ديمقراطي؟

عزيز جنرال

مأزق الشعار والممارسة في الفضاء السوداني:

تواجه عملية بناء إنسان ديمقراطي في السودان معضلة حقيقية تتأرجح بين رفع الشعارات وتعجيل الممارسة. وتثير هذه المعادلة الصعبة حزمة من التساؤلات الجوهرية:هل توجد ثقافة ديمقراطية حقيقية في بنية المجتمع السوداني؟هل التنظيمات الثورية والأحزاب المدنية تُعد مؤسسات ديمقراطية من حيث القيادة، الهياكل، والممارسة والدستور؟ هل البيئة السودانية غير ملائمة لإنتاج إنسان ديمقراطي؟ لماذا يتم الاكتفاء برفع شعار الديمقراطية وتأجيل ممارستها الفعلية بحجة لحين تحرير البلاد؟
هل نحن بحاجة إلى تغيير مصادر التربية على مستوى الأسرة، والمجتمع، والمؤسسات التعليمية والحزبية والعلاقات؟ لماذا معظم التنظيمات الثورية التي قادت حرب العصابات من أجل الحرية والديمقراطية لم تنتج دولاً ديمقراطية وأنظمة مستقرة وعادلة؟

أولاً: مقومات وشروط وعناصر تنظيم ثوري وسياسي ناجح:

١/مراكز التفكير والاستشراف: وجود مركز متخصص للتخطيط، البحوث، الدراسات، وإدارة الأزمات.
٢/التداول السلمي للسلطة: ترسيخ ثقافة الانتخابات الدورية لتجديد القيادة وتحديث الهياكل التنظيمية ومراجعة الرؤية السياسية وآلياتها لتواكب المرحلة.
٣/الحوكمة الدستورية: وجود دستور فعال يحكم ويحدد العلاقات الأفقية والرأسية، ويضمن شرعية القرارات، سلامة الإجراءات، وآليات المحاسبة والمساءلة وطرق الاستقطاب.
٤/تأهيل الكوادر: اعتماد منهج علمي ومستدام لبناء وتطوير الكادر الحزبي لادارة الدولة وقيادة المجتمع.
٥/القاعدة الجماهيرية: وجود عضوية فاعلة وملتزمة لا تقل عن خمسين ألف عضو كحد أدنى لضمان الامتداد الشعبي والتنوع.
٦/الاستقلال المالي:
بناء مؤسسات اقتصادية منتجة وحقيقية، قادرة على التمويل الذاتي، والتحرر من الارتهان الخارجي، ووضع حد لظاهرة الانشقاقات والانقسامات.
٧/الرؤية المشتركة: صياغة منفستو (برنامج سياسي) واضح يؤمن به كل أفراد التنظيم.
٨/البيئة الفكرية: شيوع ثقافة الحوار العلمي والديمقراطي، وتجذير روح العمل الجماعي والنقد البناء لانتاج مزيد من المعرفة والابداع.

ثانياً: مؤشرات التنظيمات الضعيفة والهشة القابلة للانهيار في أي لحظة:

١/ غياب المرجعية: انعدام الدستور والمنفستو نظرياً وعملياً، واكتفاء بعض التنظيمات بهياكل شكلية لإضفاء الحرائق اليومية والظهور في السوق السياسي فقط.
٢/الجمود القيادي وظاهرة التوريث: غياب الحوار الداخلي، والمؤتمرات العامة، والانتخابات الدورية لتجديد القيادة.
٣/العزلة الجماهيرية: عدم وجود قاعدة شعبية عريضة، حيث لا يتجاوز عدد عضوية بعض التنظيمات خمسة أشخاص (بمن فيهم رئيسها وختمه وحقيبته).
٤/الفقر الاستراتيجيStrategic Poverty: غياب مدرسة الكادر، مراكز الدراسات، مصادر التمويل المستقلة، والرؤية الاستراتيجية واضحة المعالم.
٥/الارتداد للماقبل الدولة: الاعتماد على الأدوات التقليدية conventional tools في ممارسة العمل السياسي، مثل الإدارة الأهلية، والمكونات الأولية السابقة للدولة، والجهوية، وسياسة الافراد Subjective politics.
٦/التشظي الداخلي: غياب التماسك الداخلي وهشاشة الوحدة الفكرية، الثقافية، والاجتماعية بين الأعضاء.

إن الرهان على تأسيس دولة ديمقراطية حديثة في السودان سيبقى رهاناً صفرياً ما لم تحسم القوى المدنية والثورية تناقضاتها الداخلية. لا يمكن لبيئة سياسية مأزومة، تعتمد على الهياكل الشكلية والأدوات التقليدية السابقة لعهد الدولة، أن تنتج إنساناً ديمقراطياً. التحرير الحقيقي لا يبدأ بطرد المستبدين فحسب، بل بتحرير البنية التنظيمية للأحزاب من عواهنها، وتحويل الديمقراطية من شعار مؤجل إلى سلوك يومي معاش. إن مراجعة أدوات التغيير هو الشرط الأول لنجاح التغيير نفسه؛ وبدون ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج الأزمات بوجوه جديدة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات