الأحد, يونيو 7, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةحرب المسيرات في السودان تتكيف مع تغيّر خطوط الإمداد رغم تأثير الضغوط...

حرب المسيرات في السودان تتكيف مع تغيّر خطوط الإمداد رغم تأثير الضغوط على سلاسل التوريد

بقلم: نهاد الطيب– مساعد أول للبحوث
وعلي محمود علي

خلال العام الماضي، تحولت الحرب في السودان إلى صراع تهيمن عليه الطائرات المسيرة، مع تسارع الطرفين في تطوير تكتيكاتهما الجوية وإعادة تشكيل شبكات الإمداد الخاصة بهما. ولا يزال هذا التحول مستمراً. ووفقاً لبيانات مشروع ACLED، يحافظ الجيش السوداني على وتيرة منتظمة ومتنوعة من الضربات الجوية وضربات المسيرات، مستهدفاً بصورة منهجية معاقل قوات الدعم السريع، وساعياً بقوة إلى قطع خطوط إمدادها في غرب البلاد.

في المقابل، انتقلت قوات الدعم السريع من استخدام ذخائر بسيطة إلى تشغيل منصات استراتيجية متطورة، رغم القيود التي فرضتها الاضطرابات الأخيرة في سلاسل التوريد. وتشير بيانات ACLED إلى أن الدعم السريع بات يعتمد على هجمات أقل عدداً لكنها أكثر دقة، تستهدف البنية التحتية الاقتصادية الحيوية والقواعد العسكرية الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش.

ويخوض الطرفان سباقاً متواصلاً لإعادة التكيف مع التقنيات والتكتيكات المتغيرة لدى خصومهما، إلى درجة شهدت معها الحرب بعض حالات الاشتباك المباشر بين الطائرات المسيرة. ففي 23 مايو/أيار، أطلقت طائرة “أقينجي” تابعة للجيش السوداني صاروخاً لاعتراض طائرة “أقينجي” أخرى تتبع للدعم السريع أثناء تحليقها، في ثاني حادثة معروفة من نوعها منذ اندلاع النزاع. ويشغّل الطرفان اليوم الطراز نفسه من المسيّرات التركية الصنع، التي وصلت إليهما عبر وسطاء مختلفين، في تجسيد واضح لقدرة تدفقات السلاح على تجاوز الحظر والتحالفات الجيوسياسية.

لكن استمرار التفوق الجوي النسبي للجيش واستغلاله لثغرات الدفاعات الجوية لدى خصمه يشيران إلى أن القوات المسلحة السودانية ستواصل على الأرجح حملاتها الجوية المكثفة لإضعاف الدعم السريع في دارفور، قبل شن هجمات برية متوقعة خلال موسم الأمطار الذي يبلغ ذروته عادة في أغسطس/آب.

وفي المقابل، يُرجّح أن يعمد الدعم السريع إلى تعزيز مواقعه الدفاعية داخل دارفور، مع التركيز على تنفيذ ضربات محدودة ذات تأثير كبير لعرقلة تقدم الجيش، بينما يواصل الطرفان حشد قواتهما في المثلث الحدودي بشمال دارفور. وحتى في حال الوصول إلى حالة جمود ميداني بحكم الأمر الواقع، فإن التحول نحو حرب المسيّرات يضمن استمرار النزاع خارج خطوط المواجهة التقليدية، بما يبقي البلاد في حالة عنف مزمن منخفض الحدة.

الجيش يستهدف خطوط إمداد الدعم السريع ومعقله في نيالا

أتاح التنوع في مصادر تسليح الجيش السوداني – بما يشمل المسيّرات القتالية الإيرانية من طراز “مهاجر-6” و”أبابيل-3″، والمسيّرات التركية-الباكستانية “YHIA-III”، ومنظومات “بيرقدار” التركية – للقوات المسلحة القدرة على إسقاط قوتها الجوية عبر جبهات متعددة في وقت واحد.

ويمثل ذلك تطوراً ملحوظاً مقارنة بالقوة الجوية التقليدية التي استخدمت بصورة دفاعية في بدايات الحرب عام 2023. ومنذ اندلاع الصراع في إيران، ركّز الجيش اعتماده على تركيا، إضافة إلى خط إمداد باكستاني جرى تسهيله عبر السعودية. ورغم التقارير التي تحدثت عن توقف هذا المسار في أبريل/نيسان الماضي، فإن وتيرة الضربات الجوية وضربات المسيّرات التي نفذها الجيش بقيت مستقرة خلال مايو/أيار، حيث سجلت 70 ضربة، وهو مستوى مماثل تقريباً للشهرين السابقين.

ويبدو أن الجيش انتهج حملة مدروسة لقطع إمدادات السلاح والمقاتلين عن الدعم السريع عبر المناطق الشمالية الغربية والغربية، ما أجبره على الاعتماد بدرجة أكبر على مسارات بديلة عبر الحدود الشرقية.

وخلال مايو/أيار، نفذ الجيش 17 ضربة في مدينة نيالا، معقل الدعم السريع في دارفور، وهو أعلى عدد شهري من الضربات المسجلة في المدينة منذ اندلاع الحرب. كما استخدم المسيّرات لاستهداف شحنات الوقود والأسواق القريبة من الحدود التشادية بهدف تعطيل إمدادات الوقود العابرة للحدود.

وفي الفترة نفسها، استهدفت غارات جوية للجيش، في 15 مايو/أيار، قافلة تابعة للدعم السريع كانت قادمة من ليبيا ومتجهة – بحسب تقارير – إلى الفاشر للمشاركة في عمليات عسكرية بشمال السودان.

كما أدت التوترات مع تشاد وإغلاق الحدود إلى تعقيد تدفق الإمدادات نحو مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور، ما دفعه إلى إعادة توجيه خطوط الإمداد عبر الحدود الجنوبية. وفي الوقت ذاته، كثّف حلفاء الجيش الإقليميون، وعلى رأسهم مصر والسعودية، ضغوطهم على حكومة شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر لوقف دعمها للدعم السريع.

وبحلول أبريل/نيسان، موّلت السعودية صفقة تسليح لصالح الجيش الوطني الليبي في محاولة للحد من النفوذ الإماراتي في المنطقة، الأمر الذي أسهم في إرباك إحدى حلقات شبكة التحالفات الإقليمية التي يعتمد عليها الدعم السريع.

الدعم السريع يتجه إلى الدفاع تحت ضغط الإمدادات

في المقابل، اعتمد الدعم السريع منذ أواخر عام 2024 على شبكة إمداد مدعومة من الإمارات، تنقل معدات صينية عبر ليبيا وتشاد.

وبحلول منتصف عام 2025، تمكنت هذه المنظومات من الوصول إلى عمق المناطق الخلفية الخاضعة للجيش في ولايات البحر الأحمر والشمالية ونهر النيل، ما دفع القوات المسلحة إلى نقل جزء من طائراتها إلى إريتريا لأسباب استراتيجية.

وخلال العام الماضي، تطورت ترسانة الدعم السريع الجوية من ذخائر جوالة بسيطة إلى منصات استراتيجية متقدمة من طراز “CH-95″، ما أتاح لها القدرة على تنفيذ عمليات على نطاق وطني واسع.

وتجلّى حجم شبكة الإمداد هذه بصورة أوضح في أغسطس/آب 2025، عندما أعلن الجيش اعتراض رحلات شحن مرتبطة بالإمارات كانت تنقل مرتزقة كولومبيين إلى مطار نيالا.

وأصبح الاعتماد على الخبرات الأجنبية سمة بارزة في النزاع، إذ تشير تقارير إلى وجود مشغلين أوكرانيين وإسبان وكولومبيين ضمن وحدات الدعم السريع منذ منتصف عام 2025، ويُعتقد أن مهمتهم الأساسية تشغيل الطائرات المسيّرة.

كما كشفت تقارير حديثة عن وجود طائرات مسيّرة صينية من طراز “BZK-005” في نيالا، وهي الأكبر التي حصل عليها الدعم السريع حتى الآن، ما يشير إلى أن الإمارات نجحت في الحفاظ على جزء من شبكة إمداداتها رغم الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

مع ذلك، لوحظ تراجع واضح في عدد الضربات التي نفذها الدعم السريع خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وهو ما يُفسَّر على نطاق واسع باعتباره مؤشراً على اضطرابات كبيرة في خطوط الإمداد.

كما انخفضت وتيرة هجمات الدعم السريع في جبهات كانت نشطة سابقاً، مثل النيل الأزرق وجنوب كردفان، في وقت يحشد فيه الطرفان قواتهما في المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، والذي يُرجّح أن يتحول إلى ساحة المعركة الحاسمة المقبلة.

وفي ظل الانشقاقات الأخيرة لعدد من القادة البارزين في دارفور، إلى جانب الحشد العسكري الجاري في المنطقة الحدودية، يُتوقع أن ينسحب الدعم السريع من بعض المناطق الشرقية لتركيز قواته داخل دارفور.

فجوة في الدفاعات الجوية

يمتلك الطرفان قدرات محدودة في مجال الدفاع الجوي، لكن معدلات الاعتراض تكشف عن اختلال واضح في ميزان القدرات. فخلال العام الماضي، تمكنت دفاعات الجيش من اعتراض نحو 13% من إجمالي هجمات المسيّرات التي شنها الدعم السريع، بينما لم تتجاوز نسبة اعتراض الدعم السريع للمسيّرات التابعة للجيش 2.3%.

وقد انعكس هذا التفاوت على تكتيكات الطرفين؛ إذ اتجه الدعم السريع إلى تنفيذ ضربات أقل عدداً وأكثر دقة ضد البنية التحتية الحيوية.

فعلى سبيل المثال، نفذ خلال مايو/أيار عشر ضربات على الخرطوم، شملت المطار، حيث دمّر مواقع دفاع جوي تابعة للجيش. وعندما أثبت رادار منظومة “حصار-أ” (HISAR-A) عجزه عن رصد المسيّرات المحلقة على ارتفاعات عالية، استغل الدعم السريع هذه الثغرة ودمر إحدى تلك المنظومات في شمال كردفان يوم 21 مايو/أيار.

وفي المقابل، واصل الجيش استهداف أنظمة الدفاع الجوي التابعة للدعم السريع من طراز “FK-2000″، حيث سجلت بيانات ACLED ما لا يقل عن سبع عمليات أدت إلى تدمير مواقع دفاع جوي للدعم السريع بين أغسطس/آب 2025 وفبراير/شباط 2026.

ويعني محدودية أنظمة الدفاع لدى الطرفين أن كليهما سيظل عرضة لخسائر كبيرة إذا استمرت الحرب لفترة أطول.

ورغم التقارير التي تحدثت عن إنشاء الإمارات مسارات بديلة لإمداد الدعم السريع عبر إثيوبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، فإن انتقال القتال إلى شمال دارفور سيضع الدعم السريع في موقف جغرافي أكثر صعوبة بسبب بعده عن الحدود الشرقية والجنوبية، واستمرار الجيش في قصف مطار نيالا.

كما شدد الدعم السريع إجراءاته الأمنية في مناطقه، عبر تقييد الاتصالات وملاحقة المشتبه في صلتهم بحالات الانشقاق الأخيرة، وهو ما قد يزيد من احتمالات التذمر الداخلي.

نحو معركة دارفور

من المرجح أن يواصل الجيش السوداني استثمار نقاط الضعف داخل الدعم السريع، مع تكثيف ضرباته الجوية لإضعاف معقله في دارفور، بالتوازي مع مواصلة الهجمات البرية في النيل الأزرق بهدف استعادة مدينة الكرمك الحدودية الاستراتيجية، حيث تتمركز القوات المتحالفة مع الدعم السريع.

ومن شأن ذلك أن يمهد الطريق أمام القوات المسلحة لشن عمليات هجومية في المناطق الصحراوية بشمال دارفور، مستفيدة من تحالفاتها الجديدة مع قادة سابقين في الدعم السريع.

في المقابل، يُتوقع أن يركز الدعم السريع، تحت وطأة الانشقاقات الداخلية واضطراب خطوط الإمداد، على اتخاذ وضعية دفاعية داخل دارفور، مع توظيف موارده المتبقية في تنفيذ هجمات عالية التأثير ضد البنية التحتية الحيوية والقواعد العسكرية الواقعة تحت سيطرة الجيش، سعياً إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر وإبطاء التقدم العسكري نحو دارفور.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات