بقلم: مريم حامد
لم تكن الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت نقطة تحول قاسية في حياة ملايين الناس. خلال أيام قليلة، وجد كثير من السودانيين أنفسهم مضطرين إلى مغادرة منازلهم، وترك أعمالهم، والابتعاد عن أحبائهم، والبحث عن مكان يمنحهم فرصة للنجاة. حملوا معهم ما استطاعوا حمله، بينما بقيت خلفهم بيوت، وذكريات، وأحلام لم يكتمل طريقها.
كان من بين هؤلاء آلاف السودانيين الذين وصلوا إلى يوغندا طلبًا للأمان. لكن الوصول إلى بلد آمن لا يعني انتهاء المعاناة. فاللجوء بداية لحياة جديدة مليئة بالتحديات؛ البحث عن السكن، وتأمين الطعام، والحصول على العلاج، ومحاولة التكيف مع واقع مختلف تمامًا. وتزداد هذه التحديات بالنسبة للنساء والأطفال وكبار السن، الذين يتحملون الجزء الأكبر من آثار الحرب واللجوء.
وسط هذه الظروف، برزت الحارسات كواحدة من المبادرات المجتمعية التي استطاعت أن تصنع فرقًا حقيقيًا في حياة كثير من اللاجئين السودانيين في كمبالا. لم يكن دورها قائمًا على تقديم الخدمات فقط، بل على بناء مساحة يشعر فيها الإنسان بأنه ما زال موضع اهتمام واحترام، وأن كرامته لا تقل أهمية عن احتياجاته الأساسية.
من أكثر المبادرات التي تركت أثرًا واضحًا بين اللاجئين، العيادة التي تديرها الحارسات. فالحصول على الرعاية الصحية بالنسبة لكثير من اللاجئين ليس أمرًا سهلًا، خاصة مع ارتفاع تكاليف الكشف الطبي والعلاج والأدوية. وعندما يمرض أحد أفراد الأسرة، تتحول المشكلة الصحية سريعًا إلى عبء نفسي ومالي، لأن كثيرًا من الأسر تعيش بإمكانات محدودة، وبعضها فقد مصدر دخله بالكامل منذ مغادرته السودان.
في هذا السياق، أصبحت عيادة الحارسات أكثر من مجرد مكان لتلقي العلاج. فهي مساحة يجد فيها المرضى من يستقبلهم باحترام، ويستمع إليهم، ويحاول مساعدتهم بما هو متاح. وكثيرًا ما يكون هذا الشعور بالاهتمام والاحتواء جزءًا مهمًا من رحلة العلاج، خاصة لمن عاشوا ظروف الحرب واللجوء وفقدوا الإحساس بالأمان.
كما تساهم العيادة في تخفيف العبء عن الأسر اللاجئة، وتمنحهم فرصة للحصول على خدمات صحية كانوا قد يعجزون عن الوصول إليها بسبب التكاليف. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من اللاجئين، فإن وجود مكان يقدم الرعاية الصحية باهتمام وإنسانية يمثل مصدر طمأنينة حقيقيًا.
ولم يقتصر اهتمام الحارسات على الجانب الصحي، بل امتد إلى دعم النساء من خلال توفير مساحات آمنة يلتقين فيها، ويتحدثن بحرية، ويتبادلن الخبرات والدعم النفسي والاجتماعي. بالنسبة لكثير من النساء السودانيات اللاتي أجبرتهن الحرب على مغادرة وطنهن، أصبحت هذه المساحات متنفسًا يستعدن فيه شيئًا من الثقة، ويشعرن بأن هناك من يسمعهن ويفهم ما مررن به.
كما اهتمت الحارسات بالأطفال، لأنهم أكثر من يدفع ثمن الحروب. فالطفل الذي فقد مدرسته وأصدقاءه وبيئته يحتاج إلى أكثر من المأوى؛ يحتاج إلى فرصة ليعود طفلًا مرة أخرى. ومن خلال الأنشطة التعليمية والترفيهية، وجد الأطفال أماكن للرسم، واللعب، والغناء، والتعلم، واستعادة جزء من طفولتهم التي حاولت الحرب أن تنتزعها منهم.
وخلال هذه الأنشطة، سواء كانت للأطفال أو للنساء أو الفعاليات المجتمعية المختلفة، تحرص الحارسات على تقديم وجبات للمشاركين. كما يتم توفير الطعام خلال الأنشطة الرياضية المجانية التي تجمع أفراد المجتمع السوداني في أجواء من الألفة والتعاون. قد تبدو الوجبة تفصيلًا بسيطًا، لكنها بالنسبة لعائلة لاجئة تعيش ظروفًا اقتصادية صعبة تحمل معنى أكبر بكثير من قيمتها المادية؛ فهي رسالة ترحيب، وتضامن، وشعور بأن هناك من يفكر في احتياجات الناس الأساسية ويحاول أن يخفف عنهم.
ولعل أجمل ما يميز الحارسات أنها لا تنظر إلى اللاجئين باعتبارهم متلقين للمساعدة فقط، بل كأشخاص لديهم كرامة، وقصص، وأحلام، وقدرة على النهوض من جديد إذا وجدوا من يساندهم. لذلك فإن كل نشاط، وكل لقاء، وكل خدمة تقدمها المنظمة يحمل في داخله رسالة إنسانية قبل أن يكون خدمة مجتمعية.
في زمن أصبحت فيه أخبار الحرب والأرقام تطغى على قصص البشر، تذكرنا مبادرات كهذه بأن العمل الإنساني يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من استقبال مريض بابتسامة، ومن توفير مساحة آمنة لامرأة تبحث عن من يسمعها، ومن ضحكة طفل خلال نشاط ترفيهي، ومن وجبة تقدم بمحبة خلال فعالية مجتمعية.
قد لا تستطيع أي منظمة أن تنهي آثار الحرب، لكنها تستطيع أن تجعل حياة الناس أقل قسوة، وأن تعيد إليهم شيئًا من الأمل الذي حاولت الحرب أن تسلبه منهم. وهذا ما جعل الحارسات بالنسبة لكثير من اللاجئين السودانيين في كمبالا أكثر من منظمة مجتمع مدني؛ فقد أصبحت بيتًا مفتوحًا، وملاذًا آمنًا، ومكانًا يجد فيه الناس الرعاية، والاحترام، والشعور بأنهم ليسوا وحدهم.
هذا المقال ليس تقريرًا ولا إعلانًا، بل شهادة إنسانية عن أثر مبادرة استطاعت، بما تملكه من إمكانات، أن تزرع الأمل في قلوب أناس فقدوا الكثير، لكنها ساعدتهم على الإيمان بأن البدايات الجديدة ما زالت ممكنة.