طارق خاطر
من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة الحرب السودانية اختزالها في صراع محلي على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع، أو تصويرها باعتبارها نتيجة مباشرة للعجز الكذوب الذي أُحيطت به حكومة حمدوك – بسبب وضع العراقيل أمامها منذ يومها الأول – أو باعتبارها مجرد خلاف شخصي بين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) حول بنود الاتفاق الإطاري. فهذه القراءة، رغم شيوعها في الخطاب الإعلامي، تبدو عاجزة عن تفسير حجم الحرب، وسرعة انفجارها، ومستوى الانخراط الإقليمي والدولي فيها، كما تعجز عن تفسير الكيفية التي انتقل بها السودان خلال أيام معدودة من أزمة سياسية قابلة للاحتواء إلى واحدة من أكثر الحروب دموية وتعقيداً في القارة الأفريقية.
فإذا كانت السلطة هي الدافع الوحيد، فإن السؤال المنطقي يظل قائماً: ما المصلحة التي كانت تدفع حميدتي إلى إشعال حرب شاملة وهو الذي كان يمتلك، وفق شهادات شخصيات شاركت في السلطة نفسها، نفوذاً واسعاً داخل الدولة؟ فقد صرح مني أركو مناوي في مقابلة مع قناة الجزيرة مباشر بأن حميدتي كان الحاكم الفعلي للسودان خلال المرحلة الانتقالية، وهو توصيف يعكس حجم النفوذ الذي كانت تتمتع به قوات الدعم السريع داخل مؤسسات الحكم، سواء عبر قوتها العسكرية أو من خلال تحالفها السياسي مع قوى الحرية والتغيير.
هذا الواقع يجعل من الصعب تفسير اندلاع الحرب باعتباره محاولة من الدعم السريع للاستيلاء على السلطة، لأن الطرف الذي يمتلك قدراً معتبراً من النفوذ لا يكون، في العادة، الطرف الأكثر استعجالاً لتحطيم التوازن الذي منحه تلك المكانة.
بعد سقوط نظام عمر البشير تشكل تحالف سياسي جديد، غير معلن وغير مخطط له مسبقاً، جمع قوى الحرية والتغيير وقوات الدعم السريع. وقد نشأ هذا التحالف بصورة تلقائية نتيجة المشاركة الفاعلة للطرفين في إنجاح ثورة ديسمبر، كما تغذى من مخاوف قيادة الدعم السريع من عودة الإسلاميين إلى السلطة وسعيهم إلى تصفية حساباتهم مع حميدتي. وتمكن هذا التحالف من إدارة المرحلة الانتقالية وصناعة واقع سياسي مختلف عن السودان التقليدي الذي احتكرت فيه المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة القديمة القرار السياسي لعقود طويلة.
وفي الوقت نفسه نشأت حالة من التقارب السياسي والاقتصادي بين هذا التحالف والإمارات العربية المتحدة، التي كانت تنظر إلى السودان باعتباره الحلقة الأكثر أهمية في استكمال مشروعها البحري واللوجستي الممتد من الخليج العربي إلى القرن الأفريقي.
وقد تزامن هذا التقارب مع طرح واحد من أضخم المشاريع الاستثمارية في تاريخ السودان الحديث، وهو مشروع ميناء أبو عمامة على ساحل البحر الأحمر باستثمارات قدرت بنحو ستة مليارات دولار، عبر تحالف تقوده مجموعة موانئ أبوظبي وشركة إنفيكتوس. ويعد المشروع منظومة اقتصادية متكاملة تضم مطاراً دولياً ومنطقة صناعية وتجارية وبنية تحتية حديثة ومجمعات سكنية ومحطة كهرباء، إلى جانب مشروع زراعي ضخم يمتد على نحو أربعمائة ألف فدان في أبو حمد يرتبط بالميناء عبر طريق يتجاوز طوله أربعمائة وخمسين كيلومتراً.
ويمثل هذا المشروع، من الناحية الاقتصادية، فرصة استثنائية للسودان. غير أن القراءة الجيوسياسية تكشف أن قيمته الحقيقية لم تكن تكمن في حجمه المالي فقط، وإنما في موقعه داخل معادلة النفوذ في البحر الأحمر، وهي المعادلة التي تنظر إليها الرياض والقاهرة بوصفها مسألة أمن قومي تتجاوز الحسابات التجارية والاستثمارية المباشرة.
فمن منظور صانع القرار في السعودية ومصر، لم تكن الإمارات تتحرك باعتبارها مستثمراً عادياً يبحث عن عوائد اقتصادية، وإنما باعتبارها قوة إقليمية تبني بهدوء شبكة نفوذ بحري عابرة للحدود من خلال منظومة مترابطة من الموانئ والمراكز اللوجستية تمتد من الخليج إلى شرق أفريقيا والبحر المتوسط، مستندة إلى رؤية استراتيجية تجعل من التحكم في سلاسل الإمداد والتجارة العالمية أحد أهم مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين.
وعليه، لم يكن مشروع أبو عمامة بالنسبة للرياض والقاهرة مجرد استثمار جديد يضاف إلى قائمة الاستثمارات الإماراتية، وإنما كان يُقرأ باعتباره حلقة مفصلية في مشروع أكبر لإعادة رسم موازين القوة على امتداد البحر الأحمر. فالميناء المقترح يقع في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسياً، ويمنح الإمارات موطئ قدم دائماً بين المجالين الحيويين للمملكة العربية السعودية ومصر، ويربط بين نفوذها المتنامي في القرن الأفريقي وشبكة مصالحها الواسعة في قناة السويس وشرق المتوسط، فضلاً عن أنه يضيف إلى النفوذ البحري بعداً زراعياً وغذائياً طويل الأمد.
ومن هذه النقطة تحديداً بدأت دوائر القلق الاستراتيجي في الرياض والقاهرة تنظر إلى السودان بوصفه ساحة توازنات إقليمية أكثر من كونه دولة تمر بمرحلة انتقالية مضطربة.
فالسعودية كانت قد وضعت البحر الأحمر في قلب مشروعها الوطني الجديد. واخذت تنظر إلى الساحل الغربي للمملكة باعتباره مركز الثقل الاقتصادي لرؤية 2030 عبر مشاريع نيوم وأوكساغون وسلسلة المناطق الاقتصادية العملاقة. ولذلك فإن ظهور مركز لوجستي إماراتي ضخم على الضفة المقابلة لم يكن حدثاً يمكن التعامل معه بوصفه تطوراً عادياً.
أما مصر، التي تستند مكانتها البحرية إلى قناة السويس وما تمثله من نفوذ اقتصادي واستراتيجي عالمي، فقد ظلت تنظر إلى السودان باعتباره الامتداد الطبيعي لأمنها القومي الجنوبي. ولهذا لم يكن وارداً، من منظور المؤسسة الأمنية المصرية، السماح بقيام مركز نفوذ إقليمي مستقل داخل الموانئ السودانية يمكن أن يعيد تشكيل التوازنات التقليدية التي حكمت العلاقة بين البلدين لعقود طويلة.
في هذا السياق أصبح مشروع أبو عمامة أكثر من مجرد ميناء. لقد تحول إلى عنوان لصراع مكتوم على مستقبل البحر الأحمر، وإلى نقطة تقاطع بين مشروع إماراتي صاعد وطموحات سعودية متعاظمة وحسابات مصرية تاريخية تتصل بالأمن والنفوذ والمجال الحيوي.
وفي المقابل كانت بقايا نظام المؤتمر الوطني تعيد تموضعها داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، مستفيدة من حضورها المتجذر داخل الجيش ومن شبكة العلاقات الممتدة التي تربطها بمراكز النفوذ في القاهرة. وقد أدركت هذه القوى مبكراً طبيعة المخاوف السعودية والمصرية، فطرحت نفسها بوصفها السد الأخير القادر على كبح التمدد الإماراتي على ساحل البحر الأحمر وإجهاض التحالف السياسي الذي نشأ بين الدعم السريع وقوى الحرية والتغيير.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التقارب المتزايد بين سلطة بورتسودان من جهة والرياض والقاهرة من جهة أخرى. فالأمر لايقف عند حدود تقاطع للمصالح، وإنما نشوء محور رأى في هزيمة مشروع الدعم السريع وحلفائه السياسيين شرطاً ضرورياً لإعادة ضبط ميزان القوى في البحر الأحمر وفق المعادلات التقليدية التي استقرت لعقود.
وبناء على هذه القراءة، لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين جيش وقوة شبه عسكرية، وإنما تحولت إلى ساحة صراع إقليمي غير معلن على النفوذ والموانئ وخطوط التجارة والمجالات الحيوية. فالدعم السياسي والدبلوماسي الذي حظيت به سلطة بورتسودان، والحرص على تثبيت شرعيتها الخارجية، والانخراط المكثف في إدارة مسارات التفاوض، كلها خطوات يمكن قراءتها في إطار السعي إلى منع تشكل واقع سياسي جديد يمنح الإمارات موقعاً أكثر تقدماً على ساحل البحر الأحمر.
ومن الواضح أن الرهان لم يكن منصباً على تحقيق نصر عسكري خاطف، وإنما على استنزاف قوات الدعم السريع تدريجياً، وتفكيك بنيتها السياسية والعسكرية، وإضعاف قدرتها على تمثيل مشروع سياسي مستقل، وصولاً إلى إعادة إنتاج مركز السلطة السوداني بصورة تتوافق مع التوازنات الإقليمية المرغوبة. ومن هنا يمكن قراءة الحضور السعودي في الحرب بوصفه حضوراً لا يكتفي بإسناد حلفائه التقليديين، وإنما يسعى إلى هندسة المشهد السوداني من داخله، متجاوزاً حتى سلطة البرهان في بعض المسارات، عبر استقطاب شخصيات سياسية وقيادات ميدانية فاعلة في تحالف «تأسيس» لإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم حساباته الإقليمية.
وعندما أعلنت سلطة بورتسودان في نوفمبر 2024 إلغاء مذكرة التفاهم الخاصة بميناء أبو عمامة، مبررة القرار بتعثر المشروع وتدهور العلاقات مع الإمارات، بدا ذلك بالنسبة لكثير من المراقبين تتويجاً لتحول استراتيجي أوسع انتهى بإخراج أهم مشروع إماراتي محتمل في شمال البحر الأحمر من المعادلة، مقابل صعود النفوذ السعودي والمصري إلى مستويات غير مسبوقة داخل الملف السوداني.
ولا يعني ذلك أن الحرب السودانية يمكن ردها إلى عامل واحد، فالأزمات الداخلية والانقسامات السياسية وتعقيدات الانتقال الديمقراطي وتعدد مراكز القوة المسلحة كلها عوامل أساسية في تفسير ما جرى. غير أن هذه العوامل وحدها لا تكفي لفهم حجم الانفجار ولا سرعة التحولات التي أعقبته.
ولهذا تذهب هذه القراءة إلى أن الطلقة الأولى لم تكن مجرد تعبير عن نزاع داخلي على السلطة، وإنما كانت الشرارة التي انفجرت عند نقطة التقاء مشروعين متنافسين على مستقبل البحر الأحمر، فتحول السودان من ساحة انتقال سياسي متعثر إلى ميدان مفتوح لإعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم بأسره.

