الرئيسيةمقالاتمواقف ومشاهد.الكرمك وقيسان .. وعمق السودان الاستراتيجي.

مواقف ومشاهد.الكرمك وقيسان .. وعمق السودان الاستراتيجي.

بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل.

ارتبط اسم مدينتي الكرمك وقيسان منذ زمن بعيد ببعضهما البعض ارتباط التوأم الذي لا ينفصل إلا نادراً. تقعان في أقصى جنوب شرق إقليم النيل الأزرق على الشريط الحدودي مع دولة إثيوبيا الفدرالية وتحديداً بمحاذاة إقليم بني شنقول قمز المتداخل جغرافياً وتاريخياً مع سلاسل جبال بني شنقول. ومن هنا جاءت الأهمية المركبة لهاتين المدينتين فهما ليستا مجرد محليتين إداريتين بل هما مفتاح جغرافي وعسكري وتجاري لإقليم بأكمله.

جغرافياً تشكل الكرمك وقيسان بوابة طبيعية لسلاسل جبلية متصلة ومتداخلة تبدأ بجبال بني شنقول في الجانب الإثيوبي ثم تمتد لتتصل بجبال الأنقسنا وجبال الأاماتونج داخل العمق السوداني. هذا التداخل الجبلي خلق ممرات طبيعية قديمة استخدمت للتجارة والهجرة والحركة منذ مئات السنين وربطت بين هضبة الحبشة وسهول السودان. من يسيطر على الكرمك وقيسان يمسك عملياً بخيوط الحركة في كل المثلث الحدودي ويستطيع مراقبة كل التحركات العسكرية والمدنية في محيط النيل الأزرق من الرصيرص جنوباً وحتى الدمازين شمالاً.

تاريخياً كانت المنطقة جزءاً من مسارات القوافل التي تربط بين ممالك سنار وهضبة الحبشة. وعرفت الكرمك بموقعها على ضفاف نهر الكرمك أحد روافد النيل الأزرق فيما عرفت قيسان بكونها آخر نقطة حدودية سودانية قبل الدخول إلى إقليم بني شنقول. خلال فترات الصراعات المختلفة في السودان وإثيوبيا تحولت المدينتان إلى نقاط تماس مباشر. ففي حقبة الثمانينيات والتسعينيات كانت الكرمك مسرحاً لعمليات عسكرية متكررة بسبب موقعها المطل على خطوط الإمداد القادمة من الجبال. وفي سنوات لاحقة ظلت قيسان تمثل خط الدفاع الأول عن إقليم النيل الأزرق من الناحية الشرقية.

الأهمية الاستراتيجية للمدينتين لا تقف عند البعد العسكري فقط. فالمنطقة المحيطة بهما غنية بموارد طبيعية ظلت لعقود غير مستغلة بالشكل المطلوب. تمتد في بطون الجبال المحيطة بها معادن نفيسة ورواسب ذهبية وخامات أخرى ظلت محل اهتمام محلي وإقليمي. كما أن الأراضي الزراعية في سهول قيسان والكرمك تعد من أخصب الأراضي في الإقليم وتعتمد على الأمطار الموسمية الغزيرة التي تهطل بفعل وجود الجبال. لكن غياب البنية التحتية والطرق جعل كل هذه الثروات حبيسة الجغرافيا.

أما على مستوى الربط الداخلي فإن الطريق الذي يمر عبر الكرمك وقيسان هو الشريان البري الأهم الذي يربط عمق إقليم بني شنقول بمدينتي الدمازين والرصيرص. من قيسان يبدأ الطريق الترابي الذي يخترق الجبال ويصل إلى الدمازين حاضرة الإقليم. ومن الكرمك يتفرع طريق آخر نحو الرصيرص مروراً بمناطق الأنقسنا. لذلك فإن أي تغير ميداني في المدينتين ينعكس مباشرة على حركة الأفراد والبضائع وعلى الإمداد العسكري والإنساني للإقليم كله.

اليوم ومع إعلان سيطرة قوات حكومة السلام الانتقالية على محلية قيسان الاستراتيجية دخلت المعادلة العسكرية في النيل الأزرق مرحلة جديدة. فاستعادة قيسان تعني قطع خطوط الإمداد الشرقية وفتح نافذة على بني شنقول من الجانب السوداني. كما تعني تأمين الخاصرة الشرقية للدمازين والرصيرص وتقليص المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها أي قوة معادية داخل سلاسل جبال الأاماتونج والأنقسنا. لهذا توصف الخطوة بأنها تحول في مجرى العمليات العسكرية في السودان لأنها تربط الميدان في النيل الأزرق مباشرة بالجبهة الحدودية مع إثيوبيا.

العلاقة مع إقليم بني شنقول ليست علاقة حدود مصطنعة فقط بل هي علاقة دم ومصاهرة وتجارة وتاريخ مشترك. القبائل التي تسكن جانبي الحدود تربطها روابط اجتماعية قديمة وتتشابه في أنماط العيش والزراعة والرعي. لذلك فإن استقرار الكرمك وقيسان مرتبط بشكل مباشر باستقرار الجانب الآخر من الحدود. وأي اضطراب في إقليم بني شنقول ينعكس سريعاً على المدينتين والعكس صحيح.

في الختام اقول يمكن القول إن الكرمك وقيسان ليستا مدينتين عاديتين على الخارطة. هما رئتا النيل الأزرق الشرقية ونافذته على إثيوبيا وبوابة موارده المعدنية والزراعية وخط الدفاع المتقدم عن الدمازين والرصيرص. ومن يفهم جغرافيا هذه المنطقة يفهم لماذا ظل الصراع عليها لعقود ولماذا ستظل مفتاح الحل أو مفتاح التعقيد في الإقليم لسنوات قادمة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات