الرئيسيةمقالاتمواقف ومشاهد. عبد الله اسحق نيل يكتب :النفط تحت سيطرة تأسيس.

مواقف ومشاهد. عبد الله اسحق نيل يكتب :النفط تحت سيطرة تأسيس.

تؤكد الخارطة الجغرافية اليوم أن كل المناطق المنتجة للنفط في السودان تقع تحت سيطرة حكومة السلام الانتقالية، وهذا يعد من أبرز المكاسب الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت في هذه المرحلة. عودة القرار السيادي والإداري والفني إلى يد الدولة تفتح نافذة أمل لإدارة هذا المورد الحيوي بما يخدم المواطن أولاً. لكن السيطرة وحدها لا تصنع نهضة. القطاع يحتاج إلى تدخل عاجل وإصلاحات سريعة وتطوير حقيقي يعيده إلى الدورة الإنتاجية، بحيث يدعم الخزانة الاتحادية ويعود على مناطق الإنتاج بتحسين واضح في معاش الناس.

المفارقة المؤلمة أن الحقول التي يفترض أن تكون مصدر خير تحولت لسنوات إلى ساحة للإهمال والتخريب الممنهج. البنى التحتية تآكلت، وشبكات الأنابيب تعرضت للصدأ والكسر، والمحطات توقفت، وآبار أغلقت دون صيانة. الأخطر هو الأثر البيئي الممتد. التلوث يطال المياه الجوفية والتربة والهواء في محيط الحقول المنتجة وغير المنتجة. ظهرت أمراض، وتراجع الإنتاج الزراعي والحيواني، وتضررت مجتمعات محلية دفعت ثمن غياب الدولة لسنوات. استمرار هذا الوضع يعني أننا نملك الثروة ونخسر الإنسان والأرض معاً.

إصلاح القطاع بات ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. الخطوة الأولى هي فتح حوار جاد مع الشركات الأجنبية التي عملت سابقاً في الاستثمار النفطي وعلى رأسها الشركات الصينية ذات الخبرة في التشغيل والحفر والتشييد. عودتها بعقود شفافة وعادلة ستسهم في تشغيل الحقول المتوقفة وإدخال تقنيات تقلل الفاقد وترفع الإنتاجية.

ثانياً يجب فرض هيبة الدولة الكاملة على المواقع النفطية. تأمين الحقول وخطوط النقل والموانئ بقوات نظامية مدربة يوقف الاعتداءات والسرقات ويبعث برسالة طمأنينة للمستثمرين. لا استثمار بلا أمن ولا إنتاج بلا حماية.

ثالثاً لا بد من الاستعانة بالخبرات المهنية السودانية في الداخل والخارج لوضع دراسات إصلاح علمية وهيكلية تعالج ملفات التشغيل والصيانة والتسويق. المطلوب رؤية متكاملة لنهضة وزارة النفط في كل مناطق السيطرة، تقوم على الكفاءة وتحصن القرار من التدخلات وتضع معايير واضحة للشفافية والمساءلة.

رابعاً يتطلب الأمر تعاوناً دولياً لجذب استثمارات جديدة. الفرصة لا تقتصر على الحفر والإنتاج فقط، بل تمتد إلى المصافي وخطوط النقل والتكرير والصناعات التحويلية والبتروكيماويات. كل دولار يدخل اليوم سيعود مضاعفاً على الاقتصاد وعلى خدمات الصحة والتعليم والمياه في مناطق الإنتاج.

لا يمكن إغفال الجهود التي بذلتها وزارة النفط في عهد الباشا محمد طبيق. ركزت الوزارة على إعادة تأهيل بعض الحقول المتوقفة وفتح قنوات مع الشركاء القدامى، ووضعت تصورات لإدارة أكثر كفاءة للموارد. كما طرحت ملفات البيئة والسلامة المهنية للنقاش، وحاولت ربط العائد النفطي بمشروعات تنموية مباشرة في مناطق الإنتاج حتى يشعر المواطن أن هذا النفط يخصه.

اليوم الفرص سانحة. يمكن زيادة الإنتاج من الحقول القائمة عبر الصيانة، والدخول في استكشافات جديدة كانت مغلقة بسبب الحرب، وبناء صناعات تغذي السوق وتصدر للخارج. الكرة الآن في ملعب الدولة. باستراتيجية عملية تبدأ بالحوار وتأمين الحقول والاستعانة بالخبرات وجذب الاستثمار، سيتحول النفط من مورد خام إلى قاطرة تنمية تعيد بناء الاقتصاد وترمم ما خلفته سنوات الحرب والإهمال.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات