كمبال عبد الواحد /نيروبي
تشهد أوروبا تحولًا لافتًا في آليات التعامل مع التنظيمات والشبكات العابرة للحدود، بعدما انتقلت الجهود الأمريكية من التركيز على ملاحقة الفروع والكيانات المحلية إلى استهداف البنية المالية والمؤسسية التي تضمن استمرار نشاطها عبر أكثر من دولة. ويعكس هذا المسار توجهًا جديدًا يقوم على ملاحقة القيادات التي تدير التمويل والتنسيق، باعتبارها الحلقة الأكثر تأثيرًا في استمرارية هذه الشبكات.
وفي هذا الإطار، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية “أوفاك”، في 24 يوليو/تموز 2026، فرض عقوبات على محمود الإبياري، الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، إلى جانب ثلاثة أفراد وثلاثة كيانات، بدعوى توجيه أموال ضخمة لصالح حركة حماس. ويحمل الإبياري الجنسية النمساوية ويقيم في لندن، واتُّهم بالإشراف على حملات لجمع التبرعات لصالح مؤسسات مصنّفة أمريكيًا كداعمة لحماس، من بينها “وقف فلسطين” و”حياة يولو”، فيما طالت العقوبات أيضًا شركة إندونيسية، وجمعية خيرية تنشط في غزة، وشركة تجارية مقرها تركيا.
ويبرز في هذا المسار تحول واضح من ملاحقة الفروع أو الكيانات المحلية إلى ملاحقة قيادة يُعتقد أنها تدير شبكة مالية وتنظيمية تمتد عبر أكثر من دولة من مقرها في لندن، بما يعكس توجهًا يركّز على تعطيل البنية التي تضمن استمرار هذه الشبكات، بدلًا من الاكتفاء بملاحقة أنشطتها الظاهرة. ولا تنظر واشنطن إلى هذه الإجراءات باعتبارها حدثًا منفردًا، بل بوصفها بداية مرحلة أوسع قد تشمل شخصيات وكيانات أخرى ترتبط بالشبكات نفسها في دول أوروبية، مع دراسة كل حالة بصورة مستقلة وبما ينسجم مع الأطر القانونية المعمول بها في الدول المعنية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة في السياق الأوروبي، إذ تضع بريطانيا – بحكم تمركز الإبياري وقيادته للتنظيم الدولي فيها – في صدارة هذا الملف، بعد أن كانت عواصم الشرق الأوسط لسنوات نقطة التركيز الرئيسية في التعامل مع نشاط الجماعة. ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة قد تدفع الحكومة البريطانية، وربما حكومات أوروبية أخرى، إلى إعادة تقييم آليات الرقابة على الجمعيات والكيانات التي يُشتبه في ارتباطها بهذه الشبكات، سواء على مستوى الرقابة المالية أو مراجعة الأطر القانونية المنظمة لعملها، مع مراعاة خصوصية التشريعات المعمول بها في كل دولة.
وبحسب مصدر أمريكي مطّلع، تعتزم الإدارة الأمريكية فتح هذا الملف سياسيًا مع حكومة أندي بورنهام بمجرد أن ينهي فريقها الأمني مراجعاته، مع إتاحة هامش زمني للندن لدراسة القرار وتوائمه مع أطرها القانونية. ويشير المصدر إلى أن طبيعة الرد البريطاني ستكون مقياسًا مهمًا لمستوى التنسيق المستقبلي مع واشنطن بشأن شبكات الإخوان في أوروبا، مؤكدًا أن واشنطن تدرس اتخاذ إجراءات إضافية قد تشمل أفرادًا وكيانات مرتبطة بهذه الشبكات في دول أوروبية أخرى، على أن تُعالج كل حالة بالتنسيق مع الحكومة المعنية.
ويضع هذا المسار حكومة بورنهام أمام اختبار مبكر يتعلق بقدرتها على التعامل مع شبكة عابرة للحدود تنشط من عاصمتها، خاصة في ظل اعتماد مثل هذه الشبكات على جمعيات ومراكز أبحاث ومنصات حقوقية أو خيرية كواجهات قانونية، بما يزيد من تعقيد عمليات التتبع وإثبات الارتباطات التنظيمية والمالية. وينقل التقرير عن صحفي بريطاني قوله إن التحدي الفعلي لا يكمن في النشاط العلني للجماعة، بل في توظيفها لهذه الكيانات لتوسيع نفوذها السياسي، مستفيدة من تعدد أسمائها القانونية وصعوبة تتبع الروابط التنظيمية بينها.
ومن المتوقع أن يمتد التنسيق الأمريكي إلى ما هو أبعد من بريطانيا، انطلاقًا من التعامل مع شبكات الإخوان في أوروبا باعتبارها منظومة مترابطة من الوسطاء والواجهات، لا كيانات منفصلة داخل كل دولة. وعليه، يُتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تحركات سياسية مع لندن وعواصم أوروبية أخرى لرفع أولوية هذا الملف ضمن مباحثات مكافحة التطرف، سعيًا لبناء موقف غربي أكثر تناغمًا، مع ترك تفاصيل الإجراءات التنفيذية لكل دولة وفق تشريعاتها الداخلية.
وتحمل هذه الإجراءات، إلى جانب بعدها السياسي، أثرًا عمليًا مباشرًا، إذ تمنح واشنطن قدرة أوسع على تتبع أي معاملات مالية تمر بالدولار أو عبر مؤسسات أمريكية، وتوجّه في الوقت ذاته تحذيرًا للمؤسسات والأفراد خارج الولايات المتحدة من التعامل مع الجهات المدرجة على قوائم العقوبات، تجنبًا للتعرض لعقوبات ثانوية قد تمتد آثارها إلى النظام المالي الدولي.
في المحصلة، تشير المؤشرات إلى أن التعامل الأمريكي مع جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا دخل مرحلة مختلفة، لم يعد عنوانها ملاحقة الأفراد أو الفروع فحسب، بل تفكيك البنية المالية والمؤسسية التي تضمن استمرار نشاطها.
وتمثل العقوبات على الإبياري نقطة انطلاق لهذا المسار، تكون بريطانيا محطته الأولى بحكم تمركز قيادات التنظيم فيها، وسط توقعات بامتداد الضغط السياسي والأمني خلال الأشهر المقبلة إلى عواصم أوروبية أخرى، كل بحسب أطرها القانونية.

