الرئيسيةاخبار سياسيةإسرائيل وإعادة التموضع في السودان: هل يمثل تحالف "صمود" مساراً سياسياً موازياً؟

إسرائيل وإعادة التموضع في السودان: هل يمثل تحالف “صمود” مساراً سياسياً موازياً؟

وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم

نشرت منصة “Africa Intelligence” في 27 يوليو/تموز 2026، تقريراً تناقلت وسائل اعلام سودانية، يفيد بأن عدداً من قيادات التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” زاروا إسرائيل في أواخر يونيو/حزيران. ووفقاً لما نقلته وسائل الاعلام عن التقرير، ضم الوفد المزعوم خالد عمر يوسف وبابكر فيصل وطه عثمان إسحاق. وفي المقابل، نفى التحالف صحة هذه المعلومات، مؤكداً أن أياً من قياداته لم يزر إسرائيل.

وفي غياب تأكيد مستقل أو أدلة متاحة علناً، فضلاً عن عدم صدور تعليق رسمي من السلطات الإسرائيلية على التفاصيل المتداولة، تظل الزيارة ادعاءً إعلامياً متنازعاً عليه، ولا يمكن التعامل معها بوصفها واقعة مثبتة.

مع ذلك، يكتسب تداول هذه الأنباء دلالة سياسية تتجاوز مسألة وقوع الزيارة من عدمها؛ إذ يعكس حساسية التحركات الخارجية للقوى السودانية في ظل الحرب، وسعي الفاعلين السياسيين والعسكريين إلى توسيع شبكات علاقاتهم الإقليمية والدولية استعداداً لأي تسوية أو ترتيبات سياسية لاحقة. كما يعيد النقاش بشأن مستقبل العلاقات السودانية–الإسرائيلية، في ظل تعثر مسار التطبيع الذي بدأ عام 2020، وتأثر بانقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، ثم تعطل بفعل الحرب المندلعة منذ أبريل/نيسان 2023.

المعطيات:

       اتفق السودان وإسرائيل، بوساطة أميركية، على المضي نحو تطبيع العلاقات في أكتوبر/تشرين الأول 2020، ووقّع السودان إعلان “اتفاقات أبراهام” في يناير/كانون الثاني 2021. إلا أن العلاقات الدبلوماسية الكاملة لم تُستكمل. وفي فبراير/شباط 2023، زار وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك إيلي كوهين الخرطوم، وأعلن الجانبان التوصل إلى صيغة لاتفاق يُفترض توقيعه بعد تشكيل حكومة مدنية، قبل أن يؤدي اندلاع الحرب إلى تعطيل المسار مجدداً.

       يشير استمرار الاتصالات الإسرائيلية مع قيادة الجيش قبل الحرب إلى بقاء السودان ضمن دائرة الاهتمام السياسي والأمني الإسرائيلي. لكن لا تتوافر، في المجال العام، أدلة كافية للجزم بوجود سياسة إسرائيلية حالية ومنظمة للتواصل مع جميع القوى المدنية السودانية.

       أعادت الحرب تشكيل خريطة الفاعلين في السودان، وأصبح تحديد الطرف الذي سيتولى السلطة أو يشارك في أي ترتيبات انتقالية لاحقة أكثر تعقيداً. وقد يدفع هذا الوضع الأطراف الإقليمية والدولية إلى تجنب حصر علاقاتها في جهة سودانية واحدة، وإلى الاحتفاظ بقنوات اتصال مع قوى عسكرية ومدنية متعددة.

       استعاد السودان وإيران علاقاتهما الدبلوماسية في عام 2023، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على استخدام القوات المسلحة السودانية مسيّرات إيرانية الصنع. كما رُصدت رحلات شحن بين إيران وبورتسودان، وتحدثت مصادر إقليمية عن نقل مسيّرات إلى الجيش. ومع ذلك، نفت الخارجية السودانية تلقي أسلحة من إيران، كما لم تُثبت جميع تفاصيل التوريد بصورة مستقلة.

       يمثل السودان أهمية أمنية لإسرائيل بسبب موقعه على البحر الأحمر، وسابق استخدام أراضيه، خلال عهد عمر البشير، ممراً لشحنات سلاح إيرانية قيل إنها كانت متجهة إلى فصائل فلسطينية في قطاع غزة. لذلك، تتابع إسرائيل تطور العلاقات السودانية–الإيرانية من منظور أمن البحر الأحمر واحتمالات عودة شبكات نقل السلاح.

التحليل

إذا ثبت وجود تواصل إسرائيلي مع قيادات في تحالف “صمود”، فمن المرجح ألا يكون حدثاً معزولاً، بل جزءاً من محاولة إسرائيلية لتنويع قنوات الاتصال داخل الساحة السودانية. فقد ركزت تل أبيب، خلال السنوات الماضية، على المسار الرسمي الذي برز عقب لقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي في فبراير/شباط 2020، ثم واصلت اتصالاتها بقيادة الجيش حتى قبيل اندلاع الحرب.

غير أن تعقيدات الحرب وتعدد السيناريوهات السياسية المحتملة قد يدفعان إسرائيل إلى تجنب ربط مصالحها بطرف واحد. وفي هذا السياق، يمكن أن تنظر تل أبيب إلى القوى المدنية، ومنها تحالف “صمود”، بوصفها أطرافاً قد تشارك في حكومة انتقالية أو في صيغة مستقبلية لتقاسم السلطة. ومن شأن إقامة قنوات مبكرة معها، إن حدثت، أن تتيح لإسرائيل المحافظة على نفوذها وإعادة تنشيط مسار التطبيع، أياً كانت نتيجة الحرب.

لكن هذه الفرضية تظل مشروطة بإثبات أصل التواصل. كما ينبغي التمييز بين مجرد عقد لقاءات استطلاعية، إن وقعت، وبين تبني “صمود” مساراً سياسياً موازياً للتطبيع. فإثبات الزيارة وحده لا يكفي للجزم بوجود تفاهم سياسي أو التزام من التحالف تجاه إسرائيل، ما لم تتوافر معلومات عن صفة اللقاءات وأجندتها والجهات التي شاركت فيها.

ومن جهة أخرى، قد ترى بعض القوى المدنية السودانية في التواصل مع إسرائيل وسيلة لتوسيع حضورها الدولي، أو لفتح قنوات غير مباشرة مع دوائر أميركية وغربية. ومع ذلك، فإن القول بقدرة إسرائيل على توفير دعم أميركي أو غربي لهذه القوى ينبغي تقديمه بوصفه تقديراً محتملاً، لا نتيجة مؤكدة؛ فقرارات واشنطن والعواصم الغربية تجاه السودان تحكمها اعتبارات متعددة، ولا تختزل في الموقف الإسرائيلي.

وقد تنظر بعض القوى المدنية أيضاً إلى علاقاتها الخارجية باعتبارها وسيلة لموازنة نفوذ خصومها المحليين، بمن فيهم التيار الإسلامي المتحالف، بحسب اتهامات هذه القوى، مع القوات المسلحة السودانية. إلا أن هذه القراءة تحتاج إلى أدلة إضافية قبل ربطها تحديداً بأي تواصل محتمل مع إسرائيل.

أما من المنظور الإسرائيلي، فلا يقتصر الاهتمام بالسودان على التطبيع الدبلوماسي، بل يشمل أمن البحر الأحمر، ومراقبة الحضور الإيراني، ومنع إعادة استخدام الأراضي السودانية ممراً لنقل السلاح، وضمان وجود قنوات اتصال مع السلطة التي قد تتشكل بعد الحرب. وبناءً عليه، يبدو تنويع العلاقات داخل السودان خياراً منطقياً لإسرائيل، وإن لم تتوافر حتى الآن معلومات علنية كافية لإثبات وجود استراتيجية متكاملة من هذا النوع.

الخلاصة:

       لا تسمح المعلومات المتاحة بالجزم بأن قيادات من تحالف “صمود” زارت إسرائيل، أو بأن التحالف أصبح مساراً سياسياً موازياً للتواصل السوداني–الإسرائيلي. ولذلك، فإن الاستنتاج الأكثر انضباطاً هو أن التقرير أثار احتمال سعي إسرائيل إلى توسيع اتصالاتها لتشمل قوى مدنية سودانية، إلى جانب قنواتها السابقة مع المكون العسكري.

       يكشف تداول أنباء الزيارة، بصرف النظر عن مدى صحتها، أن ملف العلاقات مع إسرائيل سيظل أحد موضوعات التنافس السياسي في السودان، وأن القوى المحلية ستواجه تدقيقاً متزايداً بشأن علاقاتها الخارجية ومواقفها من التطبيع.

       أما مسار التطبيع السوداني–الإسرائيلي، فلم يُغلق قانونياً أو سياسياً بصورة نهائية، لكنه بقي غير مكتمل وتعطل بفعل الانقلاب والحرب وغياب حكومة مدنية مستقرة قادرة على إبرام اتفاق نهائي. وقد تحاول إسرائيل مستقبلاً استئنافه عبر السلطة التي تفرزها التسوية، سواء كانت عسكرية أم مدنية أم ائتلافية. غير أن اعتبار “صمود” قناة بديلة لذلك المسار يظل، في الوقت الراهن، فرضية تحليلية تحتاج إلى شواهد إضافية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات