بقلم : محمد بدوي
في الرابع عشر من مايو ٢٠٢٦ إطلعت عبر وسائل الإعلام البديل علي القرار بالرقم ٢٢/٢٠٢٦ الصادر من وزارة التنمية اليشرية والرعاية الاجتماعية، والذي أشار إلي إستناده الي التوجيه الصادر بالرقم ٤ والصادر من رئيس مجلس الوزراء في ١٦ ابريل ٢٠٢٦،والذي وجه فيه الوزارة بإجراء حصر للعاملين بالدولة، والذين وصلوا مرحلة المعاش الاختياري، رفع رؤية وتوصيات بكيفية تخفيض العاملين، شرعت الوزارة في تشكيل لجنة من ٧ أعضاء لإجراء تلك المهام، وشملت أعضاء من وزارة الموارد البشرية، المالية، ديوان الخدمة العامة، الهيئة العامة للاجور والتأمينات الاجتماعية، منحت صلاحيات الوصول لكافة البيانات المرتبطة بعمل اللجنة، بينما علي اللجنة ان تستعين بمن تراه مناسبا لإنجاز مهامها، تمت تسمية بعض أعضاء اللجنة بالاسم وترك الآخرين للجهات لاختيار ممثليهم، لتاتي المفترسة في تسمية واختيار ٣ أشخاص للسكرتارية من زوارة المالية، وزارة الموارد البشرية وجهاز تشغيل الخريجين بالاسم دون تسبيب يشير لسند الاختيار.
في البدء يأتي هذا المقال في حال تطبيق القرار للفت الانتباه للنهائي الراجحة من جراء ذلك، ولذلك ساحاول لمناقشة القرار من عدة جوانب، لانه في ظل تواجد بعض العاملين بالدولة خارج السودان لظروف الحرب فقد يتحول الي صيغة تخفيض للعاملين من الذين وصلوا لسن المعاش الاختياري او الطوعي هذا ظاهريا، لكنه سيمضي عمليا نحو إعادة هيكلة الوظائف بما يعني الغاء بعضها ونتيجة ذلك رجحان مغادرة ٥٧٢٥٣ الف عامل/ة وظاىفهم وهذا مربط الفرس، لأن المعاش الاختياري حق يمارسه العاملين ولا علاقة للسلطات به، بالتالي فان تنفيذ القرار من الراجح سيمضي نحو طرق اخري قد تمس الارادة والحق في الاختيار.
منحت اللجنة صلاحيات الاستعانة بمن تراهم مناسبين لتنفيذ القرار، جاء النص فضفاض بما يجعل اي إجراء تتخذه اللجنة ضمن اختصاصها.
تمت تسمية ثلاثة أعضاء السكرتارية بالاسم دون توضيح لماذا لم تشمل أعضاء من كافة الوزارات والاجسام التي تم اختيار ممثلين لها في اللجنة! ايضا هنالك سؤال المعايير التي استندت عليها في اختيار ٣ أشخاص بالاسم، دون غيرهم من العاملين بتلك الوزارات .
وفقا للتسريبات فان ما قد ينتج عن تنفيذ القرار وفقا لتلك المعلومات او الاحصائيات، يمكن النظر اليه في الاتي، نسبة العاملين بالدولة يبلغ ٩٤.٦٨٧عامل، العدد المستهدف بالتمحيص ٧٥.٢٥٣ عامل/ة ممن تحت مظلة القرار،سواء المعاش المبكر او الغاء الوظيفة وتشكل هذه النسبة ٦٠% من العاملين بالدولة، وبمحاولة النظر الي العامل/ة من حيث الاعالة لأفراد آخرين، وبافتراض ٤ أفراد للأسرة فان العدد المستهدف بالقرار في حال تنفيذه يلقي بتاثير علي ٢٨٦.٢٦٥ شخص، ليتبقي بالخدمة ٣٧٤١٤ عامل/ة اي نسبة ٤٠% لتسيير دولاب الدولة.
من حيث مناخ الاستقرار فان القرار يأتي في ظرف استثنائي به حالة حرب مستمرة، ونزوح ولجوء ل١٩.٤ مليون وسوداني/ة، بالتالي فان الحقوق المرتبطة بالعمل والإصلاح المؤسسي ترتبط الدستور والقانون الدولي لحقوق الانسان، فإن تنفيذها يتطلب مناخ مستقر وتمتع بالحقوق وبرنامج متصل بالعدالة الانتقالية التي من خلالها يتم الاصلاح او غيره، فالمناخ السياسي تتصل أهميته بان هنالك مناطق سيطرة متبادلة بين طرفي حرب أبريل ٢٠٢٣ من قوات الجيش والدعم السريع الامر الذي يجعل الأولوية لوقف الحرب لإجراء اي إصلاحات.
من ناحية دستورية فهل الحكمة الدستورية مكتملة؟ بعد تعيين رئيسها وتوقف عن العمل دام لخمسة أعوام سابقة، وهل هنالك إمكانية لجوء لمحاكم العمل في حال نشوب نزاع !
إداريا فقد تم فقدان واسع لملفات العاملين خلال الحرب الامر جعل جهات الاختصاص تتواصل معهم وتطلب منهم بياناتهم الاساسية، فالسؤال هل اعتمدت البيانات وماهو معاير التأكد من صحتها! ليس قدها في اي طرف، لكن هذه هي القضايا التي تتطلب عملا فنيا لإنجاز لانه علي علاقة بالحقوق وهو تاريخ أقدم مؤسسة في البلاد وهي الخدمة المدنية .
من ناحية فنية وسياسية فهناك حديث رائج عن مسألة التحول الرقمي للخدمات، أجل انه أمر جيد لكن لا يجدر النظر اليه مقابل الاستغناء من العامليين، بل الأسئلة كيف يمكن ممارسة تلك الحقوق وبالمقابل شبكات الهاتف النقال والارضي متوقفه بسبب قرارات الحرب في مناطق واسعة من البلاد لما يقارب العامين ونيف، ليطل السؤال الجوهري والمرتبط هل يهدف التحول الرقمي الي تطوير الخدمة والوصول للخدمات بشكل متاح للجميع؟ ام قد يمثل الامر سلسلة في السياسات التي تعمق من حرمان فئات في الوصول إليها مثل طلاب الشهادة السودانية خارج مناطق سيطرة الجيش وتغيير العملة.
بالنظر الي القرار فإن تنفيذه يمس جوهر مواد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب، والعهد الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، واتفاقية منظمة العمل الدولية، مع الأخذ في الاعتبار المرتبطة بحالات الطواري والحروب لا تبيح تعليق او انتهاكات اي من الحقوق المرتبطة بالقانون الدولي لحقوق الانسان لارتباطها بالانسان، فالحصافة تتطلب عدم وضع الاشخاص في ظروف تقل فيها الحماية الوظيفية او الاجبار علي قبول عروض مالية مقابل الخروج من الخدمة في واقع يشهد أفقار واسع بسبب الحرب وتعذر التمتع بالخدمات المصاحبة للوظيفة بشكل سهل وكامل، كما ان الوظيفة تشكل ضمان استقرار للأسر المرتبطين بالعامل/ة من نواحي معيشية وصحية وغيرها .
إقصاديا فإن تنفيذ القرار يأتي في توقيت قد ينتج عنه تحميل العاملين في الدولة نتيجة التراجع الاقتصادي الناتج من الحرب، وهو طريق خاطي لان المنطقيه وقف الحرب لانها الصرف العسكري، كما ان التكلفة الاجتماعية والاقتصادية لا تقف على تشريد العاملين بل تمدد الي. وفي مجالات العيش الكريم ،الصحة، التعليم ، وغيره .
في حال وقف الحرب فان تسيير دولاب الدولة يتطلب توظيف أوسع للقيام بإعادة التأهيل وضبط الخدمات بشكل يتطلبه الواقع، هذا يعني ان تكلفة تنفيذ القرار تكلفة قد تاتي سالبة وقد تدفع الدولة تكاليف مضاعفة مره اخري لإعادة التعيين، هذا بالنظر الي ذات التسريبات الي ان مقترح استحقاقات الفىة من ٥٠ الي ٥٤ عاما قدرت ب ٢٩٧.٦٨٦.٦٤٤.٥٠٤ جنيه سوداني للعامل من هذه الفئة وهنالك ثلاث فىات اخري مصنفة وفقا، فهذا يشير الي ان استحقاقات مع العلم بان العاملين هم فئة من ضحايا حرب أبريل ٢٠٢٣ الذين تم أفكارهم بغياب الحماية والانتهاكات وغياب المساعدات نتيجة لاستمرار الحرب، كم ستبلغ تكلفة الاستحقاقات الكلية في حال تطبيق القرار وهل سدادها امر ممكن ام ان تكلفتها عاليه بالتالي البحث عن حلول بدلا من تطبيق قرار قد يودي الي كارثة وطنية.
التحول الرقمي يتطلب معالجات الاقتصادية متعددة وهي تبدأ بما لا يمس الانسان مباشرة، علي سبيل المثال ضبط الموارد الطبيعية مثل الذهب بما يعزز الميزانية العامة، كما انها سيثير تطبيق القرار مسائل متعددة من الناحية الموضوعية وهي هل سيشمل القرار أعضاء اللجنة والسكرتارية والوزراء وغيرهم اذا لامسوا سن المعاش الاختيار.
ختاما : اغفل القرار الخبرات وحوجة الدولة للتغير بل ندر الي معيار السن المعاش الاختياري وهو معيار خاطي كما ان تغييب النقابات الشرعية من سياق القرار يضع أسئلة كثيرة حول مسألة المصلحة العامة وقيم الشفافية، وهذا نداء للسلطات بان يتم تعليق تطبيق القرار والتركيز في وقف الحرب لانه المطلب الذي من خلاله يتحقق الاستقرار .

