الأربعاء, أبريل 22, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةاعتقال وسيطة الأسلحة الإيرانية: مؤشرات على تعمق الارتباط بين طهران وبورتسودان

اعتقال وسيطة الأسلحة الإيرانية: مؤشرات على تعمق الارتباط بين طهران وبورتسودان

ذو النون سليمان، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: في التاسع عشر من نيسان عام 2026، أعلن بيل إيسايلي، المساعد الأول للمدعي العام الأمريكي للمنطقة الوسطى من كاليفورنيا، عن اعتقال المواطنة الإيرانية شميم مافي في مطار لوس أنجلوس الدولي. جاء الاعتقال بتهمة توسطها في بيع طائرات مسيّرة وقنابل وصمامات تفجير وملايين الطلقات من الذخيرة الإيرانية إلى القوات المسلحة السودانية. ترى الورقة ان هذا التطور ليس حادثة معزولة، بل يأتي في سياق أوسع يكشف عن تحول استراتيجي في العلاقات الإيرانية السودانية، يحمل تداعيات عميقة على الأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
المعطيات:

شميم مافي (44 عاماً) تقيم في ضاحية وودلاند هيلز بولاية كاليفورنيا، وتحمل إقامة دائمة قانونية في الولايات المتحدة منذ عام 2016.

أسست مافي شركة في سلطنة عُمان تحت اسم “أطلس إنترناشونال بيزنس”، استُخدمت كواجهة لتمرير صفقات الأسلحة والذخائر.

تلقت الشركة مدفوعات تجاوزت سبعة ملايين دولار خلال عام 2025 وحده.

تتضمن لائحة الاتهام أيضاً توسطها في صفقة منفصلة لبيع 55 ألف صمام تفجير إلى وزارة الدفاع السودانية، حيث قدمت خطاب نية إلى الحرس الثوري الإيراني لشراء هذه الصمامات.

في 16 مارس 2026 وقّع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على قرار تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان منظمةً إرهابيةً أجنبية، وأودعت وزارة الخارجية الأمريكية القرار في السجل الفيدرالي الأمريكي بسبب تقويضها جهود حل النزاع في السودان، وتلقى العديد من مقاتليها التدريب والدعم من الحرس الثوري الإيراني

في 12 سبتمبر 2025 أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على رئيس حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم محمد فضيل وكتيبة البراء بن مالك بسبب تورطهما في الحرب الأهلية السودانية وعلاقتهما بإيرانيكشف تقرير لمركز “هورن ريفيو” (Horn Review) في أديس أبابا عن وجود شبكة إمداد منظمة تنقل الأسلحة من السودان (عبر بورتسودان وسواكن) إلى الحوثيين في اليمن عبر إريتريا.

التحليل:
أولاً: الأبعاد الاستراتيجية للارتباط الإيراني بالسودان:

لا تقتصر العلاقة الإيرانية السودانية على مجرد صفقات أسلحة، بل تتجاوزها إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد. فمنذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في تشرين الأول 2023 بعد قطيعة دامت 32 عاماً، انتهجت طهران سياسة منهجية لتعزيز وجودها في السودان. هذا الوجود يخدم أهدافاً إيرانية متعدية، أبرزها:

الحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر: يمنح الساحل السوداني المطل على البحر الأحمر إيران فرصة ذهبية لتعزيز وجودها العسكري والاستخباراتي على أحد أهم الممرات المائية في العالم. تسعى إيران لتحويل الحرب الأهلية السودانية إلى فرصة استراتيجية، ليغدو السودان تدريجياً قاعدة خلفية للعمليات الإيرانية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

استكمال تطويق البحر الأحمر: يشكل السودان، إلى جانب الحوثيين في اليمن، شطراً من “كماشة” تضغط على الممر الملاحي الحيوي. فالحوثيون يسيطرون على مضيق باب المندب جنوباً، بينما يمكن لإيران، من خلال نفوذها في السودان، أن تهدد الملاحة من الشمال. هذا التموضع الاستراتيجي يحول البحر الأحمر إلى ساحة نفوذ إيرانية مهددة للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.

جسر إلى أفريقيا جنوب الصحراء: يمثل السودان بوابة إيران إلى منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث تتصاعد النزعات المناهضة للغرب في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد. يمكن لإيران، من خلال خبراتها في مجال الطائرات المسيّرة، أن تمد هذه الدول بقدرات عسكرية رخيصة نسبياً، مما يعزز نفوذها القاري.

Arrest of Iranian Arms Broker: Indicators of Deepening Tehran–Port Sudan Ties
Arrest of Iranian Arms Broker: Indicators of Deepening Tehran–Port Sudan Ties


ثانياً: تحول الحرب السودانية إلى ذراع إيرانية:
تشير المعطيات المتاحة إلى أن الدعم الإيراني في الحرب السودانية تجاوز حدود المساعدات العسكرية التقليدية إلى علاقة أعمق. فهناك مخاوف أمريكية متزايدة من أن يتحول الجيش السوداني إلى قوات مرتبطة بإيران على غرار الحشد الشعبي العراقي أو الحوثيين في اليمن. ويتجلى هذا التحول في عدة مظاهر:

اندماج أيديولوجي: كتيبة البراء بن مالك، المرتبطة بالإخوان المسلمين السودانيين والتي تتلقى تدريبات من الحرس الثوري الإيراني، أصبحت فاعلاً رئيسياً في القتال إلى جانب الجيش السوداني. هذا يشير إلى تقاطع استراتيجي بين مشاريع إيران التوسعية والشبكات الإسلامية السنية الراديكالية في السودان، متجاوزاً الانقسام المذهبي التقليدي لصالح أهداف جيوسياسية مشتركة.

الخبرة العسكرية الإيرانية: وثقت مشاهد قتالية وجود طائرات مسيّرة إيرانية تحلق فوق الخرطوم، ووجود مدربين عسكريين إيرانيين يدربون مجندين سودانيين. هذا الحضور المباشر يعكس عمق التدخل الإيراني وانتقاله من مجرد تزويد بالسلاح إلى نقل خبرات وتقنيات.

البنية التحتية الصناعية: يتمتع السودان بخبرة سابقة في التعاون الصناعي العسكري مع إيران، لا سيما في مجمع اليرموك الصناعي العسكري. إعادة تفعيل هذه القدرات، ولو جزئياً، قد يحول السودان إلى مركز لتجميع وإنتاج الأسلحة الإيرانية في أفريقيا.
ثالثاً: الأبعاد الإقليمية والدولية:

الموقف الخليجي: تدرك دول الخليج العربية، وخاصة السعودية والإمارات، حجم التهديد الذي يشكله النفوذ الإيراني في السودان. فبينما كانت الرياض وأبو ظبي متنافستين تقليدياً في الساحة السودانية، فإن الخطر الإيراني المشترك قد يدفع نحو تنسيق أكبر بينهما. لكن هذا التنسيق يواجه تحديات، إذ تتهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع المنافسة للجيش، وهو ما تنفيه أبو ظبي باستمرار.

الموقف الأمريكي: مع تصاعد أزمة مضيق هرمز بسبب الحرب بين إيران والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تزداد أهمية البحر الأحمر كطريق بديل حيوي. هذا سيزيد من الاهتمام الأمريكي بالملف السوداني، الذي ظل هامشياً لسنوات. تخشى واشنطن من أن يتحول السودان إلى قاعدة خلفية لتهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

الموقف الأوروبي: تعاني أوروبا من تداعيات أمنية واقتصادية مباشرة للصراع السوداني، لا سيما من حيث الهجرة غير النظامية والإرهاب. لكن غياب استراتيجية أوروبية موحدة تجاه أفريقيا يحد من قدرة الاتحاد الأوروبي على لعب دور فعال في معالجة الأزمة.
الخلاصات:
اعتقال شميم مافي ليس مجرد قضية جنائية عابرة، بل مؤشر واضح على تعمق العلاقة المنهجية بين إيران والسودان، والتي تشمل أسلحة متطورة وتمويلاً وشبكات تهريب معقدة.
تسعى إيران إلى تحويل السودان إلى قاعدة عسكرية واستخباراتية متقدمة على البحر الأحمر، تشبه في وظيفتها دور الحوثيين في اليمن أو الحشد الشعبي في العراق، مما يمنحها قدرة على تهديد الملاحة الدولية والإطاحة بالتوازنات الإقليمية.
يمثل النفوذ الإيراني في السودان تهديداً وجودياً مباشراً لدول الخليج العربي، ليس فقط بسبب تهديد الملاحة في البحر الأحمر، بل أيضاً بسبب تحوله إلى منصة لزعزعة استقرار المنطقة بأسرها. هذا يستدعي رداً خليجياً موحداً يتجاوز الخلافات الثنائية.
في المدى المتوسط، من المرجح أن تتحول الحرب السودانية إلى أزمة دولية أعمق دون أن تجد حلاً حقيقياً. ليصبح السودان ورقة ضغط في مفاوضات أكبر بين القوى الإقليمية والدولية، مما يعني استمرار المعاناة الإنسانية وتوسع رقعة الصراع.
أي تسوية حقيقية للحرب السودانية تتطلب توافقاً إقليمياً ودولياً واسعاً، يبدو بعيد المنال في ظل المناخ الحالي من التصعيد والاستقطاب, كلعبة جيوسياسية معقدة يدفع ثمنها الشعب السوداني.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات