ذوالنون سليمان – مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:
تقديم:
يشكّل التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران تحدياً مضاعفاً للدول الإفريقية، التي تعاني أصلاً من هشاشة هيكلية في اقتصاداتها، واعتماد مرتفع على استيراد الطاقة والغذاء ومدخلات الإنتاج الزراعي. وفي ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، انتقلت كلفة الصراع بشكل مباشر إلى الداخل الإفريقي، ما يهدد استقرار الأسواق المحلية، ويضع المواسم الزراعية أمام صعوبات جدية.
تلتقي هذه التطورات مع تحذيرات صادرة عن مؤسسات دولية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامج الأغذية العالمي، بشأن تصاعد مخاطر انعدام الأمن الغذائي، وتآكل قدرة الحكومات الإفريقية على الاستجابة للصدمات الخارجية، في ظل محدودية الموارد المالية وارتفاع أعباء الديون.
التحليل:
أولاً: هشاشة هيكلية تتكشف تحت ضغط الصدمات العالمية:
تكشف الأزمة الراهنة عن هشاشة بنيوية عميقة في الاقتصادات الإفريقية، بوصفها مستورداً صافياً للطاقة والغذاء. وتشير تقديرات دولية إلى أن القارة تستورد سنوياً ما بين 70 و100 مليار دولار من الغذاء، وأكثر من 120 مليار دولار من المنتجات البترولية المكررة، إلى جانب ما يزيد على 6 ملايين طن من الأسمدة.
أدّى اضطراب الملاحة وارتفاع كلفة التأمين، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى زيادات حادة في الأسعار. ففي دول مثل نيجيريا ومالاوي، ارتفعت أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 30% و50%، بينما قفزت أسعار الأسمدة بأكثر من 40%، ما يهدد مباشرة الموسم الزراعي في غرب ووسط إفريقيا.
تؤكد هذه المؤشرات ما خلصت إليه تقارير سابقة خلال أزمتي كورونا -19 والحرب الروسية–الأوكرانية، حيث أظهرت الحكومات الإفريقية محدودية قدرتها على بناء بدائل سريعة، واضطرارها إلى اللجوء للاقتراض المكلف، ما أدى إلى تراجع الإنتاجية واتساع فجوة الأمن الغذائي.
ثانياً: تضاعف الضغوط المالية وتراجع قدرة الحكومات على الاستجابة:
تشير بيانات دولية إلى أن عدداً متزايداً من الدول الإفريقية يواجه مأزقاً مزدوجاً يتمثل في ارتفاع كلفة الاقتراض، وتزايد استحقاقات الديون. ووفق تقديرات مؤسسات مالية دولية، فإن أكثر من عشر دول إفريقية – بينها كينيا وغانا ومصر -تعاني من ضغوط ديون تتجاوز المستويات الآمنة، ما يحدّ من قدرتها على تمويل الاستجابة للأزمات.
في هذا السياق، يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى استنزاف الاحتياطيات النقدية، في وقت يتجه فيه رأس المال العالمي نحو الأسواق الأكثر استقراراً، ما يفاقم أزمة التمويل. وتشير التقديرات إلى أن العديد من الحكومات الإفريقية قد لا تتمكن من تأمين مدخلات الإنتاج الزراعي في الوقت المناسب، ما يهدد بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الاعتماد على الاستيراد.
ثالثاً: الأمن الغذائي تحت ضغط مزدوج:
يحذّر برنامج الأغذية العالمي من أن تداعيات الصراع قد تدفع نحو 45 مليون شخص إضافي عالمياً إلى حافة الجوع الحاد، مع تركّز كبير لهذه المخاطر في إفريقيا. كما يشير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن ارتفاع أسعار المدخلات الزراعية سيؤدي إلى انخفاض الإنتاج، وارتفاع أسعار الغذاء، خاصة في الاقتصادات ذات الدخل المنخفض.
وتتفاقم هذه المخاطر في ظل اعتماد القارة على واردات الأسمدة، حيث يؤدي أي تعطيل في الإمدادات إلى تأثير مباشر على الإنتاج الزراعي. ويعني ذلك أن الصراع لا يؤثر فقط على الأسعار، بل على القدرة الإنتاجية نفسها، ما يهدد بتحول الأزمة من أزمة أسعار إلى أزمة توفر.
رابعاً: انكشاف أفريقيا أمام تحولات رأس المال العالمي:
برزت خلال السنوات الأخيرة استثمارات خليجية كبيرة في إفريقيا، حيث بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر لدول مجلس التعاون الخليجي بين عامَي 2012 و2025 أكثر من 179 مليار دولار، تتوزع على النحو التالي: الإمارات بـ 64.3 مليار، والسعودية بـ 28.7 مليار، وقطر بـ 9.2 مليار دولار
غير أن استمرار التوترات الإقليمية قد يدفع هذه الدول إلى إعادة توجيه مواردها نحو أولويات داخلية أو إقليمية، بما في ذلك الإنفاق العسكري أو إعادة الإعمار، ما قد يؤدي إلى تراجع التدفقات الاستثمارية نحو إفريقيا. وتشير تقديرات خاصة إلى أن هذا التراجع، إن حدث، سيؤثر بشكل مباشر على مشاريع البنية التحتية والطاقة والزراعة في القارة.
خامساً: استجابات حكومية محدودة تعكس عمق الأزمة:
تعكس الإجراءات التي اتخذتها بعض الحكومات الإفريقية حجم الضغط الواقع عليها، حيث أعلنت مدغشقر حالة طوارئ في قطاع الطاقة، وفرضت مصر قيوداً على استهلاك الكهرباء، بينما لجأت تنزانيا إلى إجراءات تقشفية رمزية لتقليل استهلاك الوقود.
تشير هذه الإجراءات إلى أن هامش المناورة لدى الحكومات محدود، وأن الاستجابة الحالية تظل ذات طابع تكيفي قصير الأمد، أكثر من كونها حلولاً هيكلية طويلة الأجل.
التوصيات:
تُبرز الأزمة الراهنة أن معالجة الهشاشة الاقتصادية في أفريقيا لا يمكن أن تظل رهينة الاستجابات الوطنية المنفردة أو الاعتماد المفرط على الخارج، بل تتطلب:
- مقاربات إقليمية أكثر طموحاً تقوم على بناء تكتلات اقتصادية شبه كونفدرالية، خصوصاً في غرب أفريقيا والساحل والقرن الأفريقي.
- تعزيز التكامل عبر الحدود المفتوحة، والمناطق الحرة، وتنسيق السياسات المالية والتجارية، من شأنه توسيع حجم الأسواق، وتخفيف قيود الجغرافيا السياسية، ومعالجة تحديات التداخل العرقي والتركة الاستعمارية لتقسيم البلدان والحدود.
- كما يوفر هذا النموذج بيئة أكثر جذباً للاستثمار الخارجي، ويعزز قدرة الدول الأفريقية على التفاوض الجماعي، بما يسهم في بناء قدر أكبر من الاستقلالية الاقتصادية والقدرة على امتصاص الصدمات العالمية.
الخلاصة:
**تمثل الحرب وأزمة مضيق هرمز نواة أزمة دولية ممتدة، تتجاوز الشرق الأوسط لتؤثر مباشرة على إفريقيا، خصوصاً في مجالات الأمن الغذائي واستقرار الأسواق، ما يعكس هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام الصدمات الجيوسياسية.
**تبرز الحاجة الملحّة لإطلاق مبادرات دولية شاملة لإعادة هيكلة ديون الدول الإفريقية، عبر آليات منسقة تجمع الدائنين، بما يخفف الأعباء المالية ويتيح مساحة أوسع للاستجابة للأزمات.
**يزداد دور المؤسسات متعددة الأطراف أهمية، خاصة في توفير أدوات دعم الائتمان، وضمانات التمويل، وتفعيل آليات تعليق الديون خلال الأزمات، بما يخفف الضغط على الموازنات الوطنية.
**يصبح الاستثمار في الطاقة المتجددة وتوطين سلاسل الإنتاج الزراعي أولوية استراتيجية، لتقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات.
**كما تبرز الحاجة إلى تطوير مقاربات تكامل إقليمي أكثر تقدماً، تقوم على بناء تكتلات اقتصادية مرنة أو شبه كونفدرالية في غرب أفريقيا والساحل والقرن الأفريقي، بما يشمل تسهيل حركة التجارة والحدود المفتوحة والمناطق الحرة، وهو ما يسهم في توسيع الأسواق، وجذب الاستثمار، وتعزيز القدرة الجماعية على مواجهة الأزمات.
**تكشف الأزمة أن إفريقيا تتحمل كلفة نظام اقتصادي عالمي لم تسهم في تشكيله، ما يستدعي إعادة النظر في آليات تمويل التنمية، وتمكين القارة من الانتقال من الهشاشة إلى الاستقرار والسيادة الاقتصادية.

