بقلم : أ صفاء الزين
في حديثه الأخير إلى قناة (الحدث) طرح وزير الدفاع السوداني الفريق حسن داؤود كبرون فكرة تقليص الأحزاب السياسية إلى خمسة أحزاب. هذا الطرح يكشف أزمة أعمق لأنه يضع الجيش الانقلابي في موقع الوصي على الحياة السياسية ويطرح سؤالا خطيرا: من فوض المؤسسة العسكرية لتحديد شكل السياسة السودانية؟
لماذا خمسة أحزاب تحديدا؟ ومن وضع هذا المعيار؟ ومن يقرر أي الأحزاب تبقى وأيها تختفي؟ هل السودانيون هم من سيقررون عبر الانتخابات أم أن المؤسسة العسكرية ستقرر عنهم؟
السودان لا يعاني من أزمة أحزاب بقدر ما يعاني من أزمة تدخل عسكري في السياسة. تاريخه الحديث شهد انقلاب إبراهيم عبود عام 1958 وانقلاب جعفر نميري عام 1969 وانقلاب عمر البشير عام 1989 ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021.
أربعة انقلابات عسكرية خلال عقود. ومع ذلك يأتي الحديث اليوم عن تقليص الأحزاب وكأن تعددها هو أصل الأزمة.
السؤال الذي يجب أن يطرح أولا: هل كان عدد الأحزاب هو الذي أسقط الديمقراطية أم تدخل الجيش في السياسة؟
الحزب يخسر الانتخابات فيخرج من السلطة. الحزب يفقد جماهيريته فيسقط سياسيا. الحزب يخالف القانون فيحاسب بالقانون.
أما الانقلاب فيغلق المجال السياسي بالقوة ويصادر إرادة الناخب ويضع الدولة تحت سلطة البندقية.
لهذا فإن تصريحات كبرون عن تقليص الأحزاب تحتاج قبل أي حديث عن الإصلاح السياسي إلى إجابة واضحة عن سؤال الانقلابات: متى سيتوقف الجيش الانقلابي عن اعتبار السياسة مجالا مشروعا لتدخله؟
المشكلة هنا ليست في عدد الأحزاب وإنما في عقلية تريد تنظيم السياسة من أعلى وتحديد عدد الخيارات التي يسمح للمجتمع بأن يختار بينها.
خمسة أحزاب اليوم قد تعني غدا خمسة أحزاب موالية أو أحزابا يسمح لها بالعمل تحت سقف السلطة بينما تحاصر بقية القوى وتدفع خارج المجال السياسي.
وهنا تتحول الفكرة من (إصلاح سياسي) إلى وصاية سياسية.
الديمقراطية لا تحتاج جنرالا يحدد لها عدد الأحزاب. تحتاج إلى قانون ينظم تأسيس الأحزاب وتمويلها وشفافيتها وانتخابات حرة تحدد وزن كل حزب.
الحزب الذي يملك قاعدة شعبية سيبقى والحزب الذي يفقد ثقة الناس سيسقط. هذه هي قواعد الديمقراطية.
أما أن يقرر الجيش الانقلابي مسبقا أن السودان يحتاج إلى خمسة أحزاب فهذه ليست ديمقراطية ولا إصلاحا سياسيا. هذه هندسة سياسية من أعلى ومصادرة لحق المجتمع في اختيار مستقبله.
والأخطر أن هذا الطرح يأتي من قيادة عسكرية يفترض أن يكون دورها حماية الدولة بينما يبقى القرار السياسي في يد المجتمع ومؤسساته المنتخبة.
وفي الوقت نفسه تبدو تصريحات كبرون منفصلة عن واقع السودان. يتحدث عن الانتصارات والتقدم العسكري بينما الحرب مستمرة والتفاوض مرفوض والمواطن يواجه المرض والجوع وانقطاع الكهرباء وانهيار الخدمات.
وفي الوقت الذي توجه فيه الأموال إلى صيانة القصر الجمهوري ما زالت المستشفيات والمدارس والمرافق الأساسية تحتاج إلى التأهيل.
كان الأجدر أن تذهب هذه الأموال إلى المواطن الذي يحتاج العلاج والغذاء والكهرباء والتعليم. أما ترميم مركز السلطة وسط حرب مستمرة فيطرح سؤالا سياسيا يتجاوز المبنى نفسه: هل يجري الاستعداد لإعادة بناء الدولة أم لإعادة بناء مركز السلطة تمهيدا لظهور دكتاتور جديد؟
هذه هي الأولويات التي تستحق المساءلة لا عدد الأحزاب.
الطريق إلى منع الانقلابات لا يبدأ بتقليص الأحزاب وإنما ببناء نظام ديمقراطي يحصن الدولة من الانقلاب على إرادة الشعب. دستور واضح يحمي التداول السلمي للسلطة. مؤسسات مدنية قوية. انتخابات حرة. جيش مهني يخضع للسلطة المدنية. وقانون يجعل الوصول إلى الحكم عبر صندوق الاقتراع لا عبر الدبابة.
أما أن يكون الجيش الانقلابي هو من يحدد عدد الأحزاب ثم يقدم نفسه في الوقت ذاته باعتباره الجهة القادرة على إصلاح الدولة فهذه مفارقة لا يمكن تمريرها.
السودان لا يحتاج إلى جنرال يختار له أحزابه.
ولا يحتاج إلى سلطة عسكرية تحدد له حدود السياسة.
السودان يحتاج إلى مواطن يختار وحزب يتنافس وانتخابات تحسم وجيش يحمي الحدود ويحترم الدستور.
ومن يريد فعلا بناء دولة مستقرة عليه أن يبدأ بإخراج الجيش من لعبة السلطة لا بإخراج الأحزاب من الحياة السياسية.
المشكلة ليست أن السودان لديه أحزاب كثيرة.
المشكلة أن السودان عاش طويلا تحت سلطة جنرالات يعتقدون أن من حقهم اختيار شكل الدولة وتحديد من يحكم ثم مطالبة الشعب بالتصفيق.
هذه العقلية هي التي تحتاج إلى التغيير أولا.