الجمعة, يونيو 19, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةزيارة بعثة الاتحاد الأوروبي للسودان أبعاد الانخراط الأوروبي المباشر في مشهد الاستنزاف

زيارة بعثة الاتحاد الأوروبي للسودان أبعاد الانخراط الأوروبي المباشر في مشهد الاستنزاف

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن

مقدمة: تأتي زيارة الوفد رفيع المستوى من رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي إلى السودان (يومي 14–15 يونيو 2026)، برئاسة رئيس الوفد وولفرام فيتر وبمشاركة سفراء ونواب بعثات من عشر دول أوروبية، كخطوة استراتيجية تعكس رغبة الكتلة الأوروبية في الانتقال من مرحلة “المراقبة عن بُعد” إلى الانخراط المباشر في تفاعلات الأزمة السودانية.

وقد شملت لقاءات الوفد في الخرطوم وبورتسودان كلاً من رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، وطاقم الخارجية وجهاز المخابرات العامة، بالإضافة إلى مسؤولين أمميين ودبلوماسيين. وتعكس هذه التحركات الشاملة مسعى أوروبياً لتقييم موازين القوى وبناء مقاربة توفق بين التعامل مع مؤسسات الدولة القائمة من جهة، والدفع نحو عملية سياسية شاملة لا تستثني القوى المؤثرة على الأرض من جهة أخرى.

أولاً: المرتكزات المعلنة للسياسة الأوروبية تجاه الأزمة

انطلقت رسائل الوفد الأوروبي من محددات تقليدية تحكم السياسة الخارجية للاتحاد تجاه النزاعات المسلحة، ويمكن تكثيفها في النقاط التالية:

       الأولوية الإنسانية وحماية المدنيين: التركيز المباشر على الأوضاع الإنسانية المتردية، والدعوة الإلزامية لفتح ممرات آمنة وغير مشروطة لتدفق المساعدات، بعيداً عن التسييس أو العوائق الإدارية من أي طرف.

       الحفاظ على وحدة الكيان السوداني: تأكيد الموقف الأوروبي الثابت بضرورة صون سيادة السودان وسلامة أراضيه، والتحذير من انعكاسات استمرار الصراع على استقرار حوض البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

       الحد من التدخلات العسكرية الخارجية: إدانة استمرار تدفق الأسلحة والدعم العسكري الخارجي لأطراف النزاع، باعتباره الوقود الأساسي الذي يسهم في إطالة أمد حرب الاستنزاف ويفاقم المعاناة البشرية.

ثانياً: القراءة التحليلية لأبعاد الزيارة:

تكشف كواليس الزيارة ومخرجاتها عن ملامح مقاربة أوروبية مرنة تحاول الموازنة بين الحقائق على الأرض والالتزامات القانونية الدولية:

براغماتية التعامل مع سلطة الأمر الواقع في بورتسودان:

يعكس جدول لقاءات الوفد الأوروبي اعترافاً بالواقعية المؤسسية والإدارية لحكومة بورتسودان بوصفها القناة الرسمية القائمة للتعامل الدولي مع الدولة السودانية ومؤسساتها البيروقراطية. ومع ذلك، فإن هذا التواصل لا ينطوي على “تفويض سياسي مطلق” لتوجهات الجيش أو خيار الحسم العسكري، بل يمثل قنوات اتصال تكتيكية ضرورية لتنسيق الملفات الإنسانية والأمنية وحفظ هيكل الدولة من الانهيار الشامل.

التمسك بوحدة الإدارة ورفض التفتيت المؤسسي:

جاءت إشارة البيان الختامي برفض “هياكل الحكم الموازية” لتعبر عن مخاوف أوروبية حقيقية من سيناريو تفتت الدولة وتعدد مراكز السيادة (على غرار النماذج الإقليمية المتشظية)، وهو ما يجعل الاتحاد الأوروبي يتردد في منح أي غطاء قانوني أو اعتراف ضمني بخطوات الإدارة البديلة في مناطق نفوذ قوات الدعم السريع. هذا الموقف يهدف إلى حماية وحدة السودان الإدارية كمنطلق لأي تفاوض مستقبلي، وليس بالضرورة انحيازاً سياسياً لطرف ضد آخر.

صياغة التوازنات داخل “الآلية الخماسية” والمحيط الإقليمي:

تكشف تحركات البعثة عن طبيعة الدور التوفيقي الذي يسعى الاتحاد الأوروبي لتبنيه داخل أروقة الآلية الخماسية المعنية بالعملية السياسية. وفي هذا الصدد، تحاول المقاربة الأوروبية خلق نقطة توازن دبلوماسية ترعى الهواجس والمصالح المتباينة للقوى الإقليمية المؤثرة:

       تجاه المقاربة السعودية: يلتقي الاتحاد الأوروبي مع الرياض في ضرورة الحفاظ على المؤسسات المركزية للدولة ودعم تشكيل حكومة مدنية تحظى بقبول واسع وتنهي صيغة الحكم العسكري الصرف.

       تجاه المقاربة الإماراتية: تبدي اللغة الأوروبية تفهماً ودبلوماسية واضحة حيال الرؤية الإماراتية التي تؤكد أن استقرار السودان المستقبلي لا يمكن صياغته عبر إعادة إنتاج النماذج المركزية القديمة، بل من خلال تسوية “تأسيسية” مرنة تعترف بتعددية مراكز القوة السياسية والاقتصادية على الأرض، وتضمن حماية الاستثمارات والمصالح اللوجستية لشركاء التنمية الإقليميين في منطقة البحر الأحمر.

ثالثاً: حدود الفاعلية الأوروبية.. قراءة في إرث “الرباعية” والمبادرات السابقة:

يطرح هذا الانخراط الأوروبي المستجد تساؤلاً جوهرياً حول مدى جدية المجموعة الأوروبية وقدرتها على تحقيق اختراق حقيقي، بالنظر إلى تجربة “الرباعية” الدولية (الولايات المتحدة، بريطانيا، السعودية، الإمارات) وجهود إقليمية أخرى لم تنجح في فرض السلام. وتتحدد الإجابة عن هذا التساؤل عبر ثلاثة أبعاد بنيوية:

       فجوة الأدوات والرهان على الإنهاك المتبادل: افتقرت المبادرات السابقة إلى “أدوات خنق” اقتصادية أو عسكرية رادعة قادرة على إجبار الطرفين على التنازل. واليوم، لا يمتلك الاتحاد الأوروبي مفاتيح الحل الميداني، لكنه يتحرك ببراغماتية مستغلاً حالة “الإنهاك المتبادل” واستنزاف الموارد لدى الطرفين، ملوّحاً بورقة “الجزرة المالية” المؤجلة المتمثلة في وعود إعادة الإعمار، والدعم الاقتصادي الهيكلي، وتسهيل القروض الدولية كأداة مقايضة وحيدة للضغط.

       مأزق “البيروقراطية” الأوروبية مقابل ديناميكية المحيط الإقليمي: يعاني الاتحاد الأوروبي تاريخياً من بطء اتخاذ القرار وتعدد مراكز الرؤى بين عواصمه الكبرى. وبينما يتحرك الفاعلون الإقليميون (كالسعودية والإمارات ومصر) بدوافع أمنية وجيوسياسية مباشرة وضاغطة، فإن حافز الجدية الأوروبي ينحصر في ملفات محددة لحماية أمنه القومي، وعلى رأسها: منع الانهيار الشامل لتفادي موجات هجرة غير شرعية ضخمة نحو جنوب أوروبا، ومكافحة شبكات الجريمة العابرة للحدود. وبالتالي، لن يكون الاتحاد قاطرة للحل، بل مُيسِّراً وضامناً قانونياً للمخرجات الإقليمية.

       التحول من المثالية السياسية إلى الواقعية الجيوسياسية: وقعت الجهود الدولية السابقة في فخ “المثالية” عبر محاولة فرض قوالب جاهزة وجداول زمنية جامدة للانتقال المدني، دون مراعاة الهواجس الوجودية للقوى المسلحة على الأرض. في المقابل، تشير تحركات عام 2026 إلى نضوج أوروبي نحو “الواقعية السياسية”؛ إذ غادرت الكتلة مربع الخطابات الأخلاقية الحالمة لتتعامل مع بورتسودان كسلطة أمر واقع، بالتوازي مع استيعاب توازنات القوى الميدانية الأخرى، بحثاً عن صيغة تؤمن الحد الأدنى من الاستقرار والملاحة في البحر الأحمر.

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية لآفاق الانخراط الدولي:

بناءً على معطيات الزيارة ومحددات الفاعلية الدولية، تتأرجح آفاق الدور الأوروبي بين مسارين رئيسيين:

       السيناريو الأول: الضغط المتوازن نحو التفاوض الشامل (الأرجح): أن يستغل الاتحاد الأوروبي قنوات التواصل المفتوحة مع بورتسودان، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين في الآلية الخماسية، للضغط على طرفي النزاع لتقديم تنازلات متبادلة، تفضي إلى وقف إطلاق نار طويل الأمد وتشكيل سلطة انتقال مدنية توافقية تُشرك القوى السياسية في تصميم المشهد القادم.

       السيناريو الثاني: الانكفاء على “المقاربة الأمنية الإنسانية”: في حال استمرار استعصاء الحل السياسي، قد يتراجع الطموح الأوروبي في رعاية تسوية سياسية، ليتركز الثقل الدبلوماسي حول “إدارة المخاطر” عبر آليات تقديم الإغاثة، ومكافحة تدفقات الهجرة غير الشرعية، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر بالتعاون مع السلطات القائمة والمحيط الإقليمي.

الخلاصة:

       أعادت زيارة بعثة الاتحاد الأوروبي رسم خطوط التماس الدبلوماسية في الملف السوداني؛ إذ أكدت على محورية مؤسسات الدولة الرسمية كطرف أساسي، لكنها ربطت الاستقرار المستدام بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات والقبول بمسار سياسي شامل وتعددي.

        كفاءة الجدية الأوروبية تظل رهينة قدرتها على التناغم مع الشركاء الإقليميين الأقوى نفوذاً؛ فلن يكون الاتحاد الأوروبي صانعاً وحيداً للسلام، بل يكمن ثقله الحقيقي في توفير الغطاء الشرعي والقانوني والمالي لأي تسوية يرتضيها الفاعلون المحليون والإقليميون

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات