متابعات: السودانية نيوز
وجه الأستاذ عروة الصادق، مساعد رئيس حزب الأمة القومي والقيادي في تحالف “صمود”، انتقادات لاذعة للسلطات المتحالفة مع الجيش، كاشفاً عن وجود المصباح أبو زيد، قائد كتيبة البراء بن مالك، في مدينة فوشان الصينية في مهمة رسمية لشراء تجهيزات وأثاث لعدد من المقار السيادية والحكومية في الخرطوم.
تفاصيل رحلة الأثاث في “فوشان” وأكد الصادق ورود معلومات مؤكدة عن وجود المصباح في مراكز تجارة الأثاث العالمية بمدن “لوتشونغ” و”لونغجيانغ” الصينية، لشراء أطقم جلوس وتجهيزات مكاتب مخصصة للقصر الجمهوري (القديم والجديد)، ومجلس الوزراء، وعدد من الوزارات والدواوين الحكومية. وأشار إلى أن هذه المهمة تأتي بعد محاولات لإقناع المصباح بالانتقال من القيادة العسكرية للمليشيا إلى ملف مدني يتعلق بـ “تجهيز دولاب الدولة”.
تغلغل المليشيات في وظائف الدولة
طرح القيادي في تحالف “صمود” تساؤلات حول الصفة القانونية التي تمنح قائد تشكيل عقائدي مسلح الحق في التدخل في مشتريات سيادية خاضعة للمال العام والرقابة. ووصف الصادق المشهد بأنه “مفارقة ثقيلة”، حيث يجري التفكير في “الصالونات والكراسي” قبل المستشفيات والمدارس، وفي وقت يعيش فيه ملايين السودانيين داخل منازل مهدمة أو معسكرات نزوح
وأضاف عروة (
بعد سنوات من الخطاب التعبوي، وحشد الشباب، ورفع الإصبع السبابة وشعارات الحرب حتى صارت المقابر أكثر اتساعًا من أحلام الناس، يصلنا خبر مؤكد من مدينة فوشان الصينية عن وجود المصباح أبو زيد، قائد كتيبة البراء بن مالك، برفقة أسرته في مناسبة اجتماعية أمس الأول “سماية”، وأن الرجل في رحلة تتصل بشراء تجهيزات وأثاث و(عدة)، وتشير المعلومات التي وصلتنا إلى أن المشتريات مخصصة لعدد من المقار الحكومية بما فيها القصر الجمهوري القديم والجديد، ومجلس الوزراء، وعدد من الوزارات والدواوين الحكومية.
المشهد وحده يختصر مفارقة ثقيلة، فبينما يعيش ملايين السودانيين داخل منازل مهدمة، أو مراكز إيواء، أو معسكرات نزوح، وتبحث أسر كاملة عن سرير وغطاء ومقعد يصلح لجلوس مريض، يجري التفكير في تأثيث مقار السلطة التي تريد العودة إلى الخرطوم، وكأن سؤال الدولة بعد الحرب يبدأ من الصالونات والمكاتب والكراسي، قبل المستشفيات والمدارس والمياه ومساكن المواطنين الذين أكلت الحرب بيوتهم ومدخراتهم.
المصباح، وفق المعلومات المتاحة، أنه وبعد محاولات إبعاده من قيادة مليشا البراءتم إقناعه بالانتقال لملف مدني وهو تجهيز دولاب الدولة؛ وهو موجود في فوشان، المدينة الصينية الشهيرة بصناعة الأثاث، وتحديدًا تتحرك تجارة هذا القطاع بكثافة في لوتشونغ (Lecong Town – 乐从镇)، حيث تنتشر مجمعات ضخمة مثل Louvre Furniture Mall وSunlink Furniture City، وقد تشمل الحركة كذلك لونغجيانغ (Longjiang Town – 龙江镇) في شونده، وهي مركز معروف لصناعة الأثاث ومواده وتجارته. وهكذا تتبدل الجغرافيا سريعًا، من ساحات الاستنفار السودانية إلى فوشان ولوتشونغ ولونغجيانغ، ومن الحديث عن المتاريس إلى اختيار الخشب والمكاتب وأطقم الجلوس.
والسخرية هنا يصنعها المشهد بنفسه، فالرجل الذي ارتبط اسمه بإحدى أشهر المليشيات المقاتلة صار -بقدرة قادر- جزءًا من مهمة تتصل بتجهيز مؤسسات الحكم، وكأن الحرب أنجزت مهمتها وأصبح السؤال المتبقي: أي طقم أثاث يليق بالقصر؟ وأي مكتب يناسب سلطة خرج السودان من سنواتها مثقلًا بالموت والنزوح والجوع؟
والأشد دلالة أن تكليف قائد تشكيل عقائدي مسلح، وارتباط مهمته رسميًا بشراء تجهيزات مؤسسات الدولة، يطرح سؤالًا يتجاوز الطرافة كلها: بأي صفة تدخل قيادة كتيبة مقاتلة في مشتريات القصر الجمهوري ومجلس الوزراء والوزارات؟ هنا تصبح رحلة الأثاث نافذة صغيرة تطل على قضية أكبر تتعلق بامتداد شبكات الحرب إلى وظائف الدولة المدنية، وتحول القرب من مركز القوة إلى طريق للنفوذ داخل مؤسسات يفترض أن تديرها أجهزة عامة خاضعة للمال العام والرقابة والمساءلة.
أما المواطن الذي طُلب منه الصبر والتضحية والاستنفار، فله نصيب مختلف من «إعادة الإعمار»، يعود إلى بيت محروق إن وجده، ومستشفى منهك إن عمل، ومدرسة مدمرة إن بقيت، فيما تستعد السلطة لاستقبال نفسها بأثاث جديد.
ربما تلخص الرحلة ترتيب الأولويات بأبلغ عبارة: “أنتم أعيدوا دفن موتاكم، وهم يعيدون تأثيث السلطة”.
ويبقى المطلوب نشر تفاصيل أي عقود ومشتريات رسمية للرأي العام، وقيمتها، والجهة التي مولتها، والجهة التي كلفت بشرائها، وصفة كل شخص شارك فيها، فالقصر ومجلس الوزراء والوزارات ملك للسودانيين، وأموال تجهيزها مال عام، ومرحلة ما بعد الخراب لا تحتمل أن تتحول إعادة الإعمار إلى غنيمة جديدة لشبكات صنعتها الحرب.