دخل ملف الأسلحة الكيميائية مرحلة جديدة من التصعيد بين واشنطن وحكومة بورتسودان خلال العامين الماضيين. البداية كانت في مايو 2024 عندما تداولت تقارير أولية صادرة عن منظمات طبية عن حالات “اختناق جماعي” وأعراض تنفسية حادة في مناطق بوسط السودان. في ذلك الوقت أشارت الخارجية الأمريكية إلى وجود “استخدام محتمل” لأسلحة كيميائية. وبعدها بشهر في يونيو 2024 أعلنت واشنطن فرض “الحزمة الأولى” من العقوبات على خلفية هذا الملف.
وصل التصعيد ذروته في أبريل 2026 خلال الدورة 112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية OPCW في لاهاي. هنا أعلنت الولايات المتحدة “الحزمة الثانية” من العقوبات وطالبت بالسماح الفوري لمفتشي المنظمة بدخول السودان. وحتى الآن لم تصدر OPCW أي تقرير تفتيش ميداني لأنها لم تتمكن من دخول السودان. التقييم الأمريكي بحسب ما أعلن مبني على مصادر استخباراتية وعينات وشهادات طبية.
بخصوص نوع الأسلحة المقصودة، الإحاطات الأمريكية لم تسمِ غازاً محدداً بصورة رسمية. لكن المصطلحات التي تكررت في الإعلام تشير إلى غاز الكلور باعتباره سلاح “ثنائي الاستخدام” يستخدم في تعقيم المياه ويمكن توظيفه كسلاح خانق. كما أشير إلى عوامل خانقة تسبب ضيق تنفس وتهيج في العيون وحالات تقيؤ. أما الأماكن التي وردت في التقارير الإعلامية فتركزت على ولاية الخرطوم في محيط الاشتباكات خلال 2024، وعلى ولاية الجزيرة في مناطق السيطرة المتبادلة. وحتى الآن لم يصدر تأكيد رسمي من OPCW أو الأمم المتحدة يحدد أسماء الأماكن بدقة.
على صعيد العقوبات، وبعد إعلان واشنطن أن السودان “غير ممتثل” لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية دخلت إجراءات إضافية حيز التنفيذ. شملت هذه الإجراءات حظراً شبه كامل على تصدير أي منتجات أمريكية ذات استخدام مزدوج للسودان. كذلك أعلنت أمريكا أنها ستصوت ضد أي قروض أو مساعدات للسودان من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وامتدت القيود لتشمل قطاع الطيران عبر تقييد قطع الغيار والخدمات اللوجستية. كما تم توسيع قائمة العقوبات لتشمل أفراداً وكيانات عسكرية وأمنية.
موقف حكومة بورتسودان بقيادة البرهان تمثل في النفي القاطع لاستخدام القوات المسلحة لأي أسلحة كيميائية. كما رفضت الحكومة دخول مفتشي OPCW واكتفت بعرض تشكيل “لجنة وطنية” للتحقيق. ورفضت أيضاً بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف ووصفتها بأنها مسيسة وتستهدف سيادة السودان.
فيما يتعلق باستخدام أمريكا لـ “الفيتو”، ففي مجلس الأمن لا يوجد حالياً مشروع قرار بشأن السودان. لذلك لا تستطيع واشنطن فرض عقوبات أممية منفردة دون موافقة روسيا والصين. لكنها تلجأ لما يمكن تسميته “الفيتو المالي” عبر تعطيل قروض المؤسسات الدولية، و”الفيتو الدبلوماسي” داخل OPCW ومجلس حقوق الإنسان، بالإضافة للعقوبات الأحادية التي لا تحتاج لموافقة أحد.
المحللون يرون أن أمام الأزمة ثلاثة مسارات محتملة. المسار الأول هو التصعيد حيث يرفض السودان التفتيش فتفرض عقوبات جديدة ويتم تعليق عضويته في OPCW. المسار الثاني هو التفاوض حيث توافق الحكومة على تفتيش مشروط مقابل تخفيف العقوبات. أما المسار الثالث فهو تجميد الملف داخل OPCW دون تقدم بسبب استمرار الحرب.
ويفسر المراقبون هذا التصعيد الآن بثلاثة أسباب. أولها الضغط على أطراف الحرب لوقف التصعيد العسكري. ثانيها ربط ملف السودان بملفات دولية أكبر تتعلق بحظر الأسلحة. وثالثها إيصال رسالة للحكومة بأن أي استخدام لأسلحة محظورة سيكلفها شرعيتها الدولية.
الخلاصة أن الملف انتقل من مرحلة الاتهامات الإعلامية إلى مرحلة الإجراءات القانونية داخل OPCW. الضغط الأمريكي واضح، لكن القرار الحاسم سيكون بيد بورتسودان فيما يتعلق بالموافقة على التفتيش الدولي أم لا.