ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
يمثل اجتماع قوى إعلان المبادئ السوداني الذي انعقد في نيروبي خلال الفترة من 19 إلى 21 يوليو/تموز 2026 مؤشراً على بداية مراجعة داخل معسكر القوى المدنية لمسار التسوية السياسية، أكثر من كونه مجرد اجتماع تنسيقي. فالبيان الختامي لم يكتفِ بتجديد الدعوة إلى إنهاء الحرب، إنما انتقل إلى التشكيك في كفاية المسار السياسي القائم، والدعوة إلى إعادة بنائه على أسس مختلفة، بما يعكس تراجع الثقة بقدرة الآليات الدولية الحالية على إنتاج تسوية مستقرة.
المعطيات:
- خرج تحالف سياسي يضم صمود، حركة تحرير السودان (عبد الواحد النور)، حزبي البعث والمؤتمر الشعبي، وأجساماً أخرى بموقف موحد في نيروبي، يطالب بمراجعة المسار الحالي بناء على خارطة الطريق الرباعية (سبتمبر 2025)، مع تنسيق مع الخماسية دون تبعية لها.
- أعلن البرهان استعداده لإطلاق حوار مدني شامل من داخل السودان، مع تعهدات بعدم التدخل، وضمان حرية التنقل والحماية للمشاركين. ترافق ذلك مع مقترحات من قوى مقربة منه تدعو لحل مجلس السيادة وتفويضه برئاسة الجمهورية، وهو ما يضع مبادرته تحت شك فوري بشأن حياديتها.
التحليل:
رغم أن قوى إعلان المبادئ لم ترفض خارطة الطريق التي أقرتها الرباعية في سبتمبر 2025، فإنها انتقلت من الدعوة إلى الالتزام بها إلى المطالبة بإجراء مراجعة شاملة لمسار التسوية، وربطه بجهود الخماسية وسائر المبادرات الإقليمية والدولية. ويعكس هذا التحول قناعة متزايدة بأن المسار الحالي لم يعد قادراً على تحقيق اختراق سياسي، في ظل استمرار الحرب وتعثر العملية السياسية، ويتعارض مع مطالبها باستبعاد الحركة الإسلامية وواجهات النظام القديم من العملية السياسية، خلافاً لرؤية الآلية الخماسية التي تتحدث عن مشاركة شاملة وحوار لا يستثني أحداً.
أبرز ما حمله بيان القوى المدنية المجتمعة في نيروبي هو الانتقال من الحديث عن مبادئ التسوية إلى تحديد الأطراف التي ينبغي أن تكون خارجها. فقد جددت قوى إعلان المبادئ رفضها مشاركة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما في أي عملية سياسية، معتبرة أنهما المسؤولان الرئيسيان عن تقويض الدولة وإشعال الحروب وتعطيل الانتقال الديمقراطي، ودعت إلى إطلاق عملية سياسية بقيادة القوى المدنية تستثنيهما بصورة صريحة.
غير أن هذا الموقف لا يتطابق مع المقاربة التي تتبناها الأطراف الدولية. فالخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والإيغاد، لم تعلن موقفاً رسمياً يقضي باستبعاد الإسلاميين بالاسم، مع اعتماد الرباعية على صياغة أكثر مرونة تقوم على رفض إعادة إنتاج نظام الإنقاذ، مع الإبقاء على الباب مفتوحاً أمام أي قوى تلتزم بقواعد العملية السياسية وتتخلى عن العمل العسكري.
وتتفاوت مواقف دول الرباعية نفسها. فالولايات المتحدة تبدو الأكثر تشدداً تجاه الإسلاميين المرتبطين بنظام البشير، وهو ما انعكس في إجراءاتها الأخيرة ضد الحركة الإسلامية وبعض الكيانات المرتبطة بها. كما تتبنى الإمارات موقفاً رافضاً لإعادة دمج الإسلاميين إذا كان ذلك سيتيح لهم استعادة نفوذهم داخل مؤسسات الدولة. في المقابل، تركز السعودية على أولوية إنهاء الحرب واستقرار الدولة، بينما تتبنى مصر موقفاً أكثر مرونة، إذ ترفض عودة المؤتمر الوطني بصيغتها السابقة، لكنها لا تدعو إلى استبعاد جميع الإسلاميين من العملية السياسية.
أما الخماسية، فقد تجنبت الدخول في قضية الاستبعاد السياسي، واكتفت بالتأكيد على مبادئ العملية السياسية الشاملة والحوار السوداني – السوداني ومشاركة القوى المدنية، مع التشديد على أن المشاركة في اللقاءات التحضيرية لا تمنح أي طرف اعترافاً سياسياً خاصاً ولا تمنع مشاركة أطراف أخرى لاحقاً.
كما أن خارطة الطريق التي أعلنتها الرباعية في سبتمبر 2025 لم تنص على استبعاد المؤتمر الوطني أو الحركة الإسلامية بالاسم، رغم تحذيرها من الجماعات المتطرفة المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين ودعوتها إلى انتقال سياسي بقيادة مدنية، وهو ما فُسر باعتباره رفضاً ضمنياً لعودة النظام السابق، لا قراراً صريحاً بإقصائه من العملية السياسية.
وفي المقابل، يطرح بعض المحللين مقاربة تقوم على الاحتواء بدلاً من العزل، وترى أن بعض العواصم الغربية تميل إلى إدارة العلاقة مع الإسلاميين أكثر من استبعادهم الكامل، خاصة في ظل إعلان الحركة الإسلامية أنها لا تسعى للمشاركة في أي سلطة انتقالية، وأن العودة إلى الحكم ينبغي أن تتم عبر الانتخابات. غير أن هذه القراءة تبقى تفسيراً تحليلياً، ولا تمثل موقفاً رسمياً للرباعية أو الخماسية.
يتزامن هذا التطور مع إعلان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان استعداده لإطلاق حوار سياسي مدني شامل تقوده القوى السودانية من داخل البلاد، بعيداً عن أي وصاية خارجية، مع التعهد بعدم تدخل المؤسسة العسكرية في مجريات الحوار، وعدم الاعتراض على مشاركة القوى السياسية الموجودة خارج السودان، وضمان الحماية وحرية الحركة للمشاركين.
تأتي هذه المبادرة بالتوازي مع مقترحات طرحتها قوى سياسية داعمة للبرهان تدعو إلى حل مؤسسات السلطة الانتقالية الحالية، وعلى رأسها مجلس السيادة، وتفويض البرهان بتولي رئاسة الجمهورية، بما يشير إلى أن السلطة تسعى أيضاً إلى صياغة إطار سياسي جديد بالتوازي مع المبادرات الدولية.
الخلاصة:
يعكس اجتماع القوى السياسية في نيروبي تحولاً تدريجياً داخل جزء من القوى المدنية من دعم خارطة الطريق الدولية إلى المطالبة بإعادة صياغتها. ويعكس ذلك تراجع الثقة بقدرة الآلية الرباعية والخماسية، بصيغتها الحالية، على إنتاج تسوية سياسية قابلة للتطبيق.
يكشف الاجتماع عن اتساع الفجوة بين الرؤية المدنية والرؤية الدولية بشأن قضايا التسوية السياسية. ففي حين أصبحت غالبية القوى المدنية تميل إلى استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بصورة صريحة، لا تزال الأطراف الدولية تفضل الحفاظ على قدر من الغموض السياسي، بما يترك مساحة للمناورة إذا تغيرت موازين القوى.
ينذر ظهور مسار سياسي داخلي يقوده البرهان بانتقال السودان إلى مرحلة تتنافس فيها عدة مسارات سياسية متوازية. وإذا استمر غياب التوافق حول الأطراف المؤهلة للمشاركة في العملية السياسية، سيتحول الخلاف بين المسار الدولي والمسار الداخلي إلى عقبةٍ تُعيقُ أي تسوية مستقبلية أو تفاهمات بشأن وقف الحرب.

