الرئيسيةاخبار سياسيةالبرهان و الطريق إلى الشمولية

البرهان و الطريق إلى الشمولية

السودانية نيوز:كمبال عبدالواحد

تشير الوثيقة المسربة، والمنسوبة إلى سلطة بورتسودان بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى ملامح مشروع سياسي يرى مراقبون أنه يعكس توجهاً نحو إعادة صياغة السلطة في السودان بما يضمن استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل الدولة. وإذا ثبتت صحة الوثيقة، فإنها لا تبدو مجرد مقترح إداري أو رؤية انتقالية، بل تحمل مؤشرات على تصور متكامل لإدارة المرحلة المقبلة، يقوم على إعادة ترتيب المشهد السياسي بصورة تمنح القيادة العسكرية اليد العليا في اتخاذ القرار، مع تقليص فرص العودة إلى مسار الانتقال الديمقراطي الذي أُجهض عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021.

وتتسق المضامين الواردة في الوثيقة، وفق هذا الفهم، مع الاتهامات التي ظلت توجه إلى البرهان منذ الانقلاب، والتي مفادها أن الإجراءات التي اتخذها لم تكن استجابة لظروف أمنية أو سياسية استثنائية، وإنما جزء من مشروع يهدف إلى الانفراد بالسلطة وإعادة إنتاج نموذج الحكم العسكري بصيغة جديدة، تستند إلى شرعية انتقالية مطولة، وإلى مؤسسات مدنية محدودة التأثير تخضع عملياً لهيمنة المؤسسة العسكرية.

كما توحي الوثيقة بأن السلطة في بورتسودان تسعى إلى بناء تحالف سياسي جديد تكون الحركة الإسلامية أحد أبرز أعمدته، مستفيدة من خبرتها التنظيمية وشبكاتها داخل أجهزة الدولة. ويعتبر منتقدو هذا التوجه أن الرهان على الإسلاميين يمثل محاولة لإعادة تدوير القوى التي حكمت السودان لثلاثة عقود في عهد الرئيس السابق عمر البشير، بعد أن فقدت نفوذها عقب ثورة ديسمبر 2018، الأمر الذي يثير مخاوف من عودة منظومة الحكم الشمولي تحت مسميات مختلفة.

ويكتسب توقيت تسريب الوثيقة أهمية خاصة، إذ يأتي في ظل تعثر المبادرات السياسية الرامية إلى إنهاء الحرب، واستمرار الخلافات داخل معسكر السلطة في بورتسودان. ويرى بعض المحللين أن خروج الوثيقة إلى العلن في هذا التوقيت قد يعكس أيضاً صراعاً بين أجنحة داخل السلطة نفسها، حيث تستخدم التسريبات أداةً لتصفية الحسابات أو للتأثير على موازين القوى بين التيارات المتنافسة، لا سيما في ظل الحديث المتزايد عن تباينات في الرؤى بين المكون العسكري وبعض القوى السياسية والإسلامية الداعمة له.

وإذا صحت الوثيقة، فإنها قد تعزز المخاوف من أن أي عملية سياسية مقبلة لن تستهدف نقل السلطة إلى المدنيين، بقدر ما تهدف إلى إضفاء شرعية جديدة على استمرار الحكم العسكري، من خلال ترتيبات دستورية وانتقالية تمنح المؤسسة العسكرية دوراً دائماً في إدارة الدولة، وهو ما قد يضع السودان أمام دورة جديدة من الاستقطاب السياسي ويزيد من تعقيد فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستدامة تنهي الحرب وتؤسس لحكم مدني ديمقراطي.

وتثير مضامين الوثيقة كذلك تساؤلات حول مستقبل التعددية السياسية والحريات العامة في السودان، إذ يرى منتقدون أن تكريس سلطة تنفيذية ذات مرجعية عسكرية، مدعومة بتحالفات مع قوى النظام السابق، قد يفضي إلى إضعاف مؤسسات الرقابة والمساءلة، وإعادة إنتاج أنماط الحكم التي ثار عليها السودانيون في ديسمبر 2018. كما أن التعويل على الحركة الإسلامية باعتبارها شريكاً رئيسياً في إدارة المرحلة المقبلة قد يعمق الانقسام السياسي ويقوض فرص بناء توافق وطني واسع، خاصة في ظل استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي والأزمة الإنسانية. وفي حال مضت السلطة في تنفيذ هذه التوجهات، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العزلة السياسية داخلياً وخارجياً، ويزيد من صعوبة استعادة الثقة بين الأطراف السودانية، بما ينعكس سلباً على جهود وقف الحرب وإطلاق عملية سياسية شاملة تفضي إلى تأسيس دولة مدنية تقوم على سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة، بعيداً عن هيمنة المؤسسة العسكرية أو عودة القوى التي ارتبطت بالنظام السابق.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات