الجميل الفاضل يكتب: ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر: والقصة لا تنتهي؟!

0
19
الجميل الفاضل
الجميل الفاضل

ثلاث سنوات مرت على ذلك الصباح، وما زال السابع من أكتوبر لا يبدو كحدثٍ مضى، ظل كأنه ثقب في جدار الزمن؛ ثقب دخل منه التاريخ إلى منطقةٍ لم تعد الأشياء بعدها كما كانت.
لم يكن الجدار الذي عبرته الطائرات الشراعية واخترقته المناطيد، يومها إسمنتًا وحديدًا فقط.
كان فكرةً كاملة عن القوة: أن تُرى كل حركة، وأن تُحصى كل خطوة، وأن يصبح التفوق التقني بديلًا عن المعرفة، والتحصين بديلًا عن العدالة، والخوف المتبادل صيغةً دائمة للأمن.
ثم جاء ذلك الصباح الذي أظهر أن أكثر الجدران إحكامًا قد تخفي وراءها أعمق الأوهام هشاشةً.
لم يسقط الجدار كله في ذلك اليوم، لكن صورته سقطت، وهذا على أية حال، في التاريخ، أخطر.
بعدها جاءت غزة، لم تكن حربها امتدادًا للحدث نفسه؛ إنما كانت امتحانًا لما كشفه هذا الحدث.
ومنذ ذلك الوقت لم تعد غزة مجرد بقعةٍ محاصرة بين البحر والجدار، لقد صارت مرآةً معلقة في وجه العالم تمامًا.
فيها رأينا كيف يمكن للقوة أن تتحول إلى عقاب، وماذا يحدث حين يصبح تطبيق القانون انتقائيًا؟ رأينا صورة الحضارة عندما تقف عاجزة أمام طفلٍ يُنتشل من الركام.
هناك، في المسافة بين الصورة وإطارها، حدث شيءٌ أعمق، انكشفت أخلاق العالم كله.
لم يعد السؤال: من يملك الرواية الأقوى؟
لكن: ماذا ستفعل الحقيقة حين تصطدم بالمصلحة؟ وماذا يبقى من عالمٍ يتحدث عن كرامة الإنسان، إذا كانت كرامة الإنسان قابلةً للتجزئة بحسب موقعه من الخريطة؟
غزة لم تطلب من العالم أن يتفق عليها، كانت تطلب منه فقط أن يرى.. وقد رأى.
ولذلك يظل أكتوبر نفسه حاضرًا في الذاكرة.
السادس من أكتوبر 1973، والسابع من أكتوبر 2023.
لا باعتبار التاريخ شفرةً غيبية، ولا لأن تشابه الأيام يصنع قانونًا، وإنما لأن المسافة بينهما تحمل سؤالًا واحدًا: كيف تتصدع صورة القوة حين تبلغ ذروة ثقتها بقوتها؟
في كلا المرتين اهتزت عقيدة الحصن الذي لا يُخترق.
في المرتين، ذاب حائط بارليف، وسقط الجدار العازل، وكان المفاجئ لنا أن التاريخ لا يحترم دائمًا الحسابات التي تبدو مكتملة، فما من قوةٍ تستطيع أن تلغي الزمن.
يمكنها أن تؤخره، أن تحاصره، أن تبني حوله الأسوار، لكنها لا تستطيع أن تمنعه من العودة على الهيئة التي يريدها.
غير أن التأمل في السابع من أكتوبر لا ينبغي أن يتحول إلى أسطورةٍ تبرر الدم.
فالصدمة ليست دائمًا فضيلة، والقوة ليست حقًا، والضحية لا تفقد إنسانيتها حين تختلف هويتها أو روايتها عن روايتنا.
هنا يبدأ الامتحان الأصعب: أن نرى الإنسان قبل أن نرى اصطفافاته.
أن نرفض موت الطفل، أيًّا كان اسمه، وأن نفهم أن العدالة التي تحتاج إلى استثناءات كي تعمل ليست عدالة، وأن السلام الذي يقوم على إذلال طرفٍ كامل ليس إلا تأجيلًا لحرب أشرس قادمة.
ومن ذات هذه النافذة يطل أيضًا السودان.
ليس بوصفه نسخةً من غزة، فلكل جرحٍ سياقه وتاريخه، وإنما بوصفه سؤالًا آخر عن المصير نفسه: ماذا يحدث حين تبتلع الحرب السياسة، ويصبح الوطن ساحةً تصفي فيها القوة حساباتها، بينما يدفع المدني الأعزل الثمن من حياته وبيته وذاكرته؟
صحيح أن غزة والسودان جرحان مختلفان، لكنهما يلتقيان كذلك عند عتبةٍ واحدة:
فحين يغيب الإنسان عن مركز المعادلة، يصبح كل شيء قابلًا للتبرير.
ثلاث سنوات إذن، والسابع من أكتوبر لم يكتمل معناه بعد.
وللحقيقة، فالأحداث الكبرى لا تنتهي عندما ينتهي يومها؛ بعضها يهبط إلى أعماق الزمن، ليبدأ نشاطه البطيء في إنتاج وعي مختلف.
ربما كان ذلك اليوم بداية حربٍ كبرى، وربما كان أكثر من ذلك: كان لحظة تعرية صادمة، كشفت حدود القوة، ووهم الأمن المنفصل عن العدالة، وهشاشة عالمٍ اعتاد أن يتحدث عن القيم أكثر مما يختبرها.
وقد يكون أهم ما بقي من ذلك اليوم أن الجدار لا يسقط أولًا على الأرض، إنما يسقط في وعي الناس بالأشياء.
وبالتالي حين يسقط هناك، يصبح بقاؤه في المكان مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.
لهذا، بعد ثلاث سنوات، لست أبحث عن نبوءةٍ في السابع من أكتوبر، ولا عن بطولةٍ مكتملة، ولا عن هزيمةٍ حاسمة.
إنما أبحث عن السؤال الذي تركه ذلك اليوم معلقًا بلا جواب: أي عالمٍ سيخرج من ركام هذا الموت الواسع؟
فإن لم يكن الجواب عدالةً يتساوى أمامها البشر جميعًا، فلن يكون ما ندعوه سلامًا سوى فاصلٍ قصير بين حربين متجاورتين.