الرئيسيةاخبار سياسيةالجميل الفاضل يكتب: كلب بسطام.. ونجاسة أبي يزيد؟!

الجميل الفاضل يكتب: كلب بسطام.. ونجاسة أبي يزيد؟!

في ميزان الرحمة، لا شيء صغير.
هرةٌ حبستها امرأة، فكان في حبسها هلاكها؛ وكلبٌ أضناه العطش، سقته امرأة، فكان في سقياه نجاتها.
هكذا قد يكون مصير الإنسان معلّقاً بقسوةٍ لم يرها كبيرة، أو برحمةٍ لم يرها كذلك.

كان أبو يزيد البسطامي يمشي في زقاقٍ ضيّق ببسطام، فمرّ به كلب، ولما ضاق الطريق بينهما، رفع أبو يزيد ثوبه، خشية أن يمسّه الكلب فينجس، ثم فجأة توقّف عن السير ليتأمل صورة قلبه في مِرآةِ الحقيقة. فيما كان الكلب مشغولاً بالمضي في الطريق ليعبر.
ليقول أبو يزيد لشريك طريقه: إن أصاب ثوبي منك شيءٌ غسلته بالماء، أما إن ران علي قلبي منك درن، فبأي شيءٍ سأغسله؟
هنا انقلبت القصة رأسًا على عقب؛ لم يعد السؤال عن نجاسة الكلب، لكن عن نجاسة أبي يزيد نفسه.
فالنجاسة التي تصيب الثوب لها ماء، أما النجاسة التي تتخفى في القلب، قد تلبس هي نفسها أثواب الطهارة.
قد يكون الإنسان شديد الاحتراز من نجاسة الظاهر، في وقتٍ لا يرى في باطنه نجاسةً أشد فتكاً: هي نجاسةُ العُجب، والكِبر، واحتقار الخلق، ورؤية النفس في مقامٍ أعلى من الآخرين.
ولذلك كان الكلب، في تلك اللحظة، أرفع من مجرد كلب؛ كان معلماً صامتاً لشيخ كبير.
فالكلب لا يدّعي الزهد، ولا يتحدث عن الفضيلة، ولا يرفع شعاراً، ولا يقتل كلباً آخر ليثبت أنه أوفى لعشيرة الكلاب، إنه فقط، يمشي لا يلوي علي شيء، يلهث ينبح كعادة الكلاب في أزقة الحواري وطرقات المدن.
أما الإنسان، فقد يرتكب أفدح الجرائم وهو يظن في ذات الوقت أنه يحرس الفضيلة، وهنا ربما تبلغ بنا القصة السودان.
فكم من ثوبٍ رفعناه خشية أن تمسه نجاسة الآخر بينما غابت عنا في الحقيقة نجاسة أنفسنا؟ وكم من جماعةٍ بيننا رأت نفسها أطهر، ورأت خصمها أنجس؟ وكم من شعارٍ بدأ بوعد الخلاص، ثم انتهى إلى استباحة الأوطان؟ فالحرب، في أعمق تجلياتها، ليست صراعاً بين سلاحين فقط؛ إنها صراعٌ بين صورتين متضخمتين للذات: أنا الحق وأنت الباطل، أنا الوطن وأنت العمالة، أنا الهامش المظلوم وأنت المركز الظالم، أنا الطهارة وأنت النجاسة.
إذ حين يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الظن بالنفس، يصبح الدم حِملاً زائداً عن الحاجة والضرورة.
فالذي يرى نفسه طاهراً بصورة مطلقة، يستطيع أن يبرر أي فعل يرتكبه بحجة السعي لتطهير الكون بأسره من دَنسِ الآخرين، وهنا قد تصبح مأساة العالم أكبر من ملابسات هذه الحرب ذاتها.
لأن الدم يمكن أن يُغسل بالماء، والجدار يمكن أن يُعاد بناؤه، والمدينة يمكن أن تنهض من رمادها؛ لكن ماذا نفعل حين تدخل الحرب إلى الضمائر، وتجعل الكراهية عقيدة، والانتقام فضيلة، والقتل وظيفة أخلاقية؟
فأيُّ ماءٍ سيغسل نجاساتِ حروبٍ مُركبةٍ وملتبسةٍ كهذه؟ نجاساتٌ ليس المقصود بها دمًا سقط علي الأثواب، إنما هو ذلك الدم الذي تغلغل بعيدًا في أدمغة الناس وفي ذاكرة الأحداث.
فقد تنتهي المعركة غذاً، ولكن يبقى الكِبر مسلحاً، وقد يسكت المدفع، ولا تسكت نار الفتنة.
وقد يعود الناس إلى بيوتهم، ولا يعودون إلى إنسانيتهم.
وهنا قد نحتاج محلياً علي الأقل، إلى درس أبي يزيد: أن نرفع الثوب عن الكلب إن اقتضى الحكم ذلك، لكن ألا نرفع أنفسنا فوق الخلق، أن نعرف الفرق بين الحكم على الفعل والحكم على الإنسان عمومًا.
أن نعرف أن مخالفة الآخر لنا لا تمنحنا حق احتقاره، وأن خطأه لا يجعلنا نحن معصومين، وأن دمنا ليس أقدس من دم غيرنا.
ولعل السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الذين يقولون: من المخطئ، ومن المصيب؟ إنما يحتاج إلى من يسأل: ماذا فعلت الحرب بنا كلنا؟ ماذا أخرجت من قلوبنا؟ كم كلباً احتقرناه لأننا ظننا أنفسنا أكرم منه؟ وكم إنساناً أهدرناه لأننا أقنعنا أنفسنا أنه لا يستحق الحياة؟ ربما كان كلبٌ في زقاقٍ ببسطام أرحم بالسودان من كثيرٍ من أبنائه اليوم؛ فهو لم يطلب على الأقل من أبي يزيد أن يقتل أحداً كي يثبت طهارته.
اكتفى بأن مرّ، بيد أن مروره قد كشف لشيخٍ جليل ما كان خافياً عنه داخل نفسه.
ذلك هو الإشراق الذي تمنحه قصة كلب بسطام: فقد يرسل الله إليك من تحتقره ليعلّمك ما لم تتعلمه من الذين تعظّمهم، وقد يجعل مرآة الحقيقة تأتيك من وجهٍ كنت لا تراه جديراً بالنظر، وقد يكون الذي تظنه نجساً هو بالضبط الذي يكشف لك عن عمق وتجذر نجاستك أنت نفسك.
على أية حال، ربما آن لنا أن نكفّ عن رفع أثوابنا في وجوه بعضنا بعضاً، وفي وجوه الآخرين البعيدين، آن لنا أن نخفض قليلاً أصوات شعارات التحدي، وحدّة الأحكام، وغلو وغرور الجماعات، وأن نضع أيدينا على موضع الألم الحقيقي: على هذا الدم الذي سال كثيراً حتى كاد السودان نفسه أن ينسى لون الماء.
فإن كان أبو يزيد قد خاف أن يكون في قلبه ما لا تغسله سبعة أبحر، فكيف بنا نحن وقد غسلت الحرب شوارعنا بالدم؟
المهم، ليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، لكن أن نختلف -لو اختلفنا- دون أن نتوحش. وبالطبع ليس المطلوب أن نحب خصومنا فهذا يبدو الي الآن مستحيل، لكن ألا نفقد إنسانيتنا ونحن نخاصمهم. وليس المطلوب أن نبرئ المجرم، لكن ألا نتحول -ونحن نحاكمه- إلى نسخة أخرى منه.
فالعدل لا يحتاج إلى كراهية، والحق لا يحتاج إلى أن ننجّس الآخر كي نثبت طهارتنا.
ولكي نفهم، بعد طول خرابٍ ودمار، أن الذي كان يحتاج إلى تطهير حقاً لم يكن ثوب أبي يزيد.. إنما قلبه القابع في نهاية الطريق.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات