بقلم : أ.صفاء الزين
يبدو أن حكومة بورتسودان قررت أن تنقل أسلوبها في مخاطبة الداخل إلى المنابر الدولية وأن ترسل الحارث إدريس إلى مجلس الأمن ليجرب أمام العالم ما اعتادت أن تفعله أمام جمهورها المحلي إعادة تقديم الوقائع بما يخدم الرواية السياسية للسلطة لكن المشكلة هذه المرة أن الجمهور مختلف والمنصة مختلفة والوقائع التي يحاول الحارث الالتفاف حولها موثقة أمام المؤسسة التي وقف يتحدث إليها
الحارث لم يذهب إلى مجلس الأمن ليقدم موقفاً سياسياً يمكن الاختلاف معه وإنما قدم رواية عن انقلاب أكتوبر 2021 تقول إن الجيش لم يستول على السلطة وإن الحكومة المدنية كانت قد استقالت وإن القوات المسلحة تدخلت أمام فراغ سياسي وهذه الرواية وحدها تكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه حكومة بورتسودان لأن الدفاع عن السلطة صار يحتاج إلى اختراع مقدمة جديدة للسلطة نفسها
الحارث يعرف أو يفترض أن يعرف أن عبدالله حمدوك كان رئيساً للوزراء في 25 أكتوبر 2021 وأنه اعتُقل في ذلك اليوم وأن الحكومة حُلّت وأن حالة الطوارئ أُعلنت وأن الاستقالة التي يستند إليها الخطاب الرسمي جاءت في يناير 2022 أي بعد أكثر من شهرين من الانقلاب ولذلك فإن المسألة لا تحتاج إلى معركة بين روايتين ولا إلى اجتهاد سياسي كبير فهناك واقعة واضحة ثم جاء بعدها حدث آخر وتحاول حكومة بورتسودان الآن أن تضع الحدث الثاني قبل الأول حتى تمنح الحدث الأول تفسيراً يخدمها
هذه ليست براعة في الدفاع عن الجيش وإنما إفلاس في الحجة السياسية لأن من يملك موقفاً قوياً يستطيع الدفاع عنه من دون أن يطلب من العالم إعادة ترتيب الوقائع ومن يملك قضية مقنعة لا يحتاج إلى نقل استقالة من يناير إلى أكتوبر حتى يصنع مبرراً لتدخل عسكري وقع قبلها
الأكثر غرابة أن الحارث اختار مجلس الأمن لهذه المهمة وكأن حكومة بورتسودان لا تدرك الفرق بين مخاطبة جمهور داخلي ومخاطبة مؤسسة دولية تملك سجلاً كاملاً للأزمة السودانية الدول التي يجلس ممثلوها في مجلس الأمن تعرف ما حدث في أكتوبر وتعرف متى اعتُقل حمدوك وتعرف متى حُلّت الحكومة وتعرف متى استقال رئيس الوزراء ولذلك فإن محاولة تسويق رواية مختلفة لا تبدو قوة في الخطاب وإنما تبدو استخفافاً بقدرة الآخرين على معرفة ما حدث
وهنا يصبح السؤال عن الحارث نفسه أكثر إلحاحاً هل كان ينقل موقف حكومته فقط أم كان يعرف أن الرواية ضعيفة ومع ذلك قرر تقديمها للعالم إذا كان ينقلها وهو يعرف حقيقتها فهو لم يعد يؤدي وظيفة دبلوماسية طبيعية وإنما يشارك في صناعة تضليل سياسي وإذا كان مقتنعاً بها فعلاً فهذه كارثة أكبر لأنها تعني أن ممثل السودان في واحدة من أهم المؤسسات الدولية لا يرى مشكلة في رواية تنقضها أبسط الوقائع
لكن الحارث ليس المشكلة كلها فالمشكلة في الحكومة التي وضعته في هذا الموقف حكومة بورتسودان التي تريد من المجتمع الدولي أن يتعامل معها باعتبارها ممثلة للدولة ثم تطلب من ممثلي المجتمع الدولي في الوقت نفسه أن يتقبلوا روايتها الخاصة عن أصل السلطة التي جاءت بعد إسقاط الحكومة المدنية تريد الاعتراف بمؤسسات الدولة عندما تحتاج إلى شرعيتها وتريد إعادة تفسير تاريخ هذه المؤسسات عندما يصبح التاريخ عبئاً عليها
وهنا يدخل الكيزان إلى المشهد لأنهم أكثر من يحتاج إلى هذه الرواية الاعتراف بأن أكتوبر كان انقلاباً يفتح باباً واسعاً على سؤال الشرعية وعلى علاقة القوى الإسلامية بالتحول الذي أعقب سقوط البشير وعلى الطريقة التي جرى بها قطع الطريق أمام الانتقال المدني ولذلك يصبح التخلص من كلمة انقلاب هدفاً سياسياً وليس مجرد اختيار لغوي
هم لا يريدون للعالم أن يرى أكتوبر باعتباره لحظة أطاحت بمسار مدني يريدون أن يراه باعتباره استجابة لفراغ حتى يبدو الجيش وكأنه تدخل لإنقاذ الدولة لا كقوة فرضت واقعاً سياسياً جديداً وبذلك يصبح الدفاع عن حكومة بورتسودان امتداداً للدفاع عن الرواية التي تريد الحركة الإسلامية تثبيتها حول علاقتها بالسلطة والدولة والجيش
هذه هي المشكلة القديمة نفسها لكن بواجهة جديدة الكيزان يعرفون أن صورتهم التاريخية أمام السودانيين ثقيلة وأن الحديث عن عودتهم إلى السلطة يثير أسئلة كثيرة لذلك يحتاج خطابهم إلى فصل الماضي عن الحاضر وإخفاء الخيط الذي يربط بين سقوط النظام السابق ومحاولات إعادة إنتاج نفوذه بعد الثورة
لكن ما يمكن تمريره في خطاب داخلي يصعب تمريره في مجلس الأمن لأن العالم لا يعتمد على الذاكرة الحزبية لحكومة بورتسودان وإنما يملك مؤسساته ووثائقه وتقاريره وشهود الأحداث ولذلك فإن الحارث حين حاول تسويق هذه الرواية لم يضع خصومه في مأزق وإنما وضع حكومته في مأزق وأظهر أن السلطة التي يمثلها مستعدة للمجازفة بمصداقية السودان حتى تحمي روايتها السياسية
الدبلوماسية ليست مسابقة في القدرة على قول ما تحبه الحكومة والدبلوماسي ليس موظف دعاية يحمل بيانات السلطة إلى الخارج مهمته الدفاع عن موقف دولته بالحجة والوقائع وعندما تتحول مهمته إلى إقناع العالم بأن ما حدث أمام عينيه لم يحدث كما رأى يصبح الضرر أكبر من مجرد تصريح سيئ
حكومة بورتسودان تستطيع أن تدافع عن الجيش وأن ترفض العقوبات وأن تهاجم خصومها وأن تختلف مع المجتمع الدولي وهذا كله جزء من الصراع السياسي لكن محاولة خداع العالم برواية بهذه السذاجة تكشف ضعف الموقف أكثر مما تحميه وتكشف أيضاً أن الكيزان ما زالوا يعتقدون أن التحكم في الرواية يمكن أن ينتصر على الحقيقة
الحارث جاء إلى مجلس الأمن ليحدث العالم عن السودان لكن السودان الذي تحدث باسمه ليس صفحة بيضاء يستطيع أن يكتب عليها ما يشاء هناك تاريخ موثق وشعب عاش الأحداث ودول تابعتها ومؤسسات سجلتها لذلك فإن المشكلة ليست أن الحارث قدم رواية منحازة فهذا متوقع من ممثل حكومة المشكلة أنه قدم رواية لا تحتاج إلى خصم سياسي لإسقاطها
لقد حاول الحارث أن يكذب على العالم باسم حكومة بورتسودان لكن العالم لا يحتاج إلى تصديق الرواية حتى يعرف أنها كذبة
أما الكيزان فليست مشكلتهم أن العالم لم يفهم روايتهم بعد مشكلتهم أن العالم يعرفها جيداً والسودانيون يعرفونها أكثر لأنهم عاشوا نتائجها