سيف الدولة حمدناالله
نحن نكذب على أنفسنا ونغمض أعيننا عن الحقيقة التي يُنكرها الجيش ونصدقها نحن ونتعايش معها، والحقيقة هي أن الجيش قد إستعوض الله في دارفور وكردفان، بعد أن إكتفى البرهان بأن يكون حاكماً على الخرطوم وبقية المناطق التي تحررت بوسط السودان، فقد تخلّى الجيش عن فكرة تحرير الأراضي التي يسيطر عليها الدعم السريع، وتوقف الحديث عن المتحركات التي كان يُبشّر الجيش بإنطلاقها لتحرير تلك المناطق والتي كان قد بلغ بها الحماس أن جزمت بدخول نيالا والفاشر قبل حلول رمضان الماضي.
هناك دولة موازية قائمة الآن تحكم الشعب الذي يعيش بالأراضي التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، هذا واقع، لا ينبغي التعويل معه على أن عدم الإعتراف الدولي بحكومة تأسيس سوف يؤدي إلى إقتناعها بالتخلي عن فكرة إقامة دولة منفصلة، ذلك أن عدم الاعتراف بالدول لا يمنع من إستمرار وجودها الفعلي خارج المنظومة الدولية، وهناك أمثلة حية في ذلك، ففي مايو 1991 قامت جماعة إنفصالية تسمّي نفسها “الحركة الوطنية الصومالية” بإعلان جمهورية مستقلة على مساحة الإقليم الذي سيطرت عليه عسكرياً وأطلقت عليه إسم “جمهورية أرض الصومال” دون أن تحصل دولتهم على إعتراف دولي بقيامها، ومع ذلك لا تزال دولة قائمة ويعيش شعبها حالة من الإستقرار وتشهد تطورا في العمران وفي البنى التحتية يفوق ما تتمتع بها دولة الصومال الأم، وأنشأت الجمهورية لنفسها جهاز دولة من خدمة مدنية وشرطة وجيش، وتصدر الحكومة وثائق سفر تمكّن رعاياها من دخول عدد من الدول. والحال كذلك في دولة تايوان التي تأسست منذ عام 1849 بإلانفصال عن الصين، وهي الأخرى لا تحظى إلا بإعتراف محدود من بعض الدول، ولكنها لا تزال دولة قائمة برغم محاولات الصين لإستعادتها وهي تنهض في نمو مضطرد في مجال الصناعات المتوسطة والخفيفة.
هذه حقائق تستوجب علينا أن نفوق ونصحى ونخرج من حالة الإنكار لحقيقة وحجم الأزمة التي يعيشها الوطن، لا رغبة ولا مقدرة على تحرير اقليمي دارفور وكردفان ولا رغبة في تفاوض، وكل المظاهر التي يحتفي بها الشعب بعودة الحياة لطبيعتها بالعاصمة والمناطق الآمِنة، هي في حقيقتها مؤشر للتسليم بالواقع الذي ينكره الجيش ونتعايش نحن معه، فالوطن في حالة إنشطار لن توقفه الحرب حتى إذا عاد تشوين المتحركات من جديد، وفي حال عدم تدارك هذا الوضع فإنه بالقطع سوف يقود إلى إنشطار ثالث يعلم الجميع بأن بوادره قد لاحت في الأفق.

