الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالنظام في مالي يترنّح وموسكو تُعيد حساباتها

النظام في مالي يترنّح وموسكو تُعيد حساباتها

تقدير موقف – وحدة الشؤون الأفريقية، مركز تقدم للسياسات
تقديم:
في الخامس والعشرين من أبريل، شنّت جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجمات منسّقة استهدفت مدناً وحواضر مالية رئيسية، أسفرت عن مقتل وزير الدفاع وإصابة كبار قادة المؤسسة الأمنية وانسحاب القوات الروسية من مدينة كيدال التي تمثل مركز ثقل استراتيجي في شمال مالي. ولا تُمثّل هذه التطورات مجتمعةً مجرد اختراق أمني عابر، بل تُعيد طرح فرضيات جوهرية حول تفكك السلطة المركزية في باماكو واحتمالات تدويل الصراع، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.
المعطيات:

سقطت مدينة كيدال فعلياً في يد جبهة تحرير أزواد بعد يومين من الاشتباكات، فيما انسحب منها الفيلق الأفريقي الروسي بموجب اتفاق يضمن له خروجاً آمناً. وتكتسب هذه الخسارة ثقلاً رمزياً واستراتيجياً استثنائياً، إذ كانت استعادة كيدال عام 2023 تُعدّ أبرز إنجازات المجلس العسكري وأكثرها توظيفاً في خطاب مشروعيته أمام الرأي العام الداخلي.

في ضربة موجعة لقمة الهرم القيادي، لقي وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا حتفه إثر استهداف مقر إقامته في منطقة كاتي قرب العاصمة باماكو، وكان كامارا يُمثّل الرجل الثاني في المجلس العسكري والمهندس الفعلي للتحالف الاستراتيجي مع موسكو. وأُصيب في السياق ذاته رئيس الاستخبارات الجنرال موديبو كوني بجروح خطيرة، فضلاً عن إصابة رئيس هيئة الأركان الجنرال عمر ديارا وفق تقارير إعلامية موثوقة. ويُضاف إلى ذلك انشقاق عدد من مقاتلي ميليشيا “غاتيا” المتحالفة مع الجيش، في مؤشر لافت على بدء تصدع منظومة الحلفاء المحليين التي طالما اعتمد عليها المجلس العسكري.

أكد الفيلق الأفريقي الروسي انسحاب قواته من كيدال بتنسيق مع القيادة المالية، مع الإعلان عن استمرار عملياته في مناطق أخرى، مشيراً إلى تعرض مواقعه لهجمات واسعة النطاق شارك فيها نحو ألف مقاتل مدعومين بعربات مدرعة وطائرات مسيّرة. وأضاف الفيلق إلى روايته الإشارة إلى دور محتمل لمدربين أوكرانيين في هذه العمليات، في محاولة واضحة لإضفاء بُعد دولي على الصراع وربطه بمنظومة التوترات الروسية الغربية الأوسع.

دولياً، أدانت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي الهجمات، فيما دعت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة رعاياهما إلى التزام منازلهم. وعلى الصعيد الإقليمي، اكتفى تحالف دول الساحل بإصدار إدانات دبلوماسية دون أن يُقدّم دعماً عسكرياً مباشراً لباماكو، وهو ما يكشف عن محدودية فعالية ترتيبات التعاون الأمني القائمة وهشاشة التضامن البيني في اللحظات الحرجة. وتعود هذه المحدودية في جانب كبير منها إلى انغماس دولتي التحالف الرئيسيتين، النيجر وبوركينا فاسو، في تحديات أمنية داخلية ضاغطة تحول دون أي تدخل خارجي فعّال، وهو ما يُضعف قدرة باماكو على احتواء أزمتها، لا سيما في ظل دعوات جبهة تحرير أزواد لدول الجوار إلى التزام الحياد.

التحليل:
تتجاوز التطورات العسكرية الأخيرة في مالي حدود الاختراق الأمني الظرفي لتكشف عن تحوّل بنيوي عميق في موازين القوى؛ إذ تتشابك فيها ثلاث مسارات متزامنة: تفكك داخلي في بنية سلطة الدولة، وتراجع ملموس في فاعلية الحلفاء الأمنيين الخارجيين، وبروز مؤشرات جدية على امتلاك المهاجمين قدرات فنية واستخباراتية متقدمة تكشف عن اختراق عميق في بنية الدولة ودعم خارجي ملموس على صعيد العتاد والتدريب.
ويرى عدد من المحللين أن المجلس العسكري فقد مشروعيته السياسية رمزياً قبل أن تتفكك قدراته ميدانياً. فمنذ انقلاب 2020، قدّم المجلس نفسه بوصفه الضامن الوحيد للأمن في مواجهة الفوضى، وبنى شرعيته الكاملة على سردية استعادة السيطرة. وما جرى خلال أيام قليلة يهدم هذه السردية من جذورها: العاصمة تُقصف، ووزير الدفاع يُغتال، وكيدال تسقط من جديد، والقائد الأعلى يغيب عن المشهد في مكان مجهول.
وقد أفضى استهداف قمة الهرم العسكري إلى فراغ قيادي حاد في لحظة بالغة الحساسية؛ فمقتل وزير الدفاع وإصابة كبار القادة وغياب رئيس المجلس العسكري يُعطّل مركزية القرار ويُضعف قدرة الدولة على الاستجابة، ويُرجّح أن يُسرّع في إعادة رسم موازين القوى الداخلية بصورة غير قابلة للسيطرة.
التقديرات والسيناريوهات:
يمكن قراءة الانسحاب الروسي من كيدال في ضوء ثلاثة سيناريوهات متنافسة. أولها إعادة تموضع تكتيكي فرضته الضغوط العسكرية الميدانية مع الإبقاء على الانتشار في مناطق أخرى بوصفه خطاً دفاعياً بديلاً. وثانيها توظيف الانسحاب كأداةَ ضغط سياسي على القيادة المالية لإعادة صياغة شروط العلاقة أو فرض ترتيبات أمنية واقتصادية أكثر ملاءمة للمصالح الروسية. وثالثها أن يكون الانسحاب مؤشراً على مراجعة استراتيجية أوسع تنطوي على انفتاح روسي على صيغ ميدانية مغايرة، بما في ذلك تفاهمات غير مباشرة مع بعض الفاعلين المسلحين المحليين.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الانسحاب يحمل دلالة استراتيجية تتجاوز تفسيره التكتيكي؛ فلأول مرة منذ انتشارها في أفريقيا تجد موسكو نفسها مضطرة إلى التراجع والتفاوض مع الخصم الميداني. وقد عرضت الجماعات المسلحة المالية على روسيا موقف الحياد مقابل الكفّ عن استهداف الفيلق الأفريقي، مما يضعها أمام معادلة صعبة: الاستمرار في دعم نظام يُبدي مؤشرات واضحة على الانهيار التدريجي، أو فتح قنوات تواصل جديدة مع الأطراف المنتصرة ميدانياً بما يُعيد رسم طبيعة وجودها في منطقة الساحل.
أما السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب في تقدير عدد من المراقبين، فهو استمرار التدهور الأمني مع محاولات متعثرة لإعادة تنظيم القيادة العسكرية واحتواء الصدمة. غير أن الخطر الاستراتيجي الأعمق يتمثل في احتمال تفكك تدريجي للسلطة المركزية وتحوّل الصراع إلى نموذج متعدد الأطراف مفتوح على تدخلات خارجية متصاعدة، بما يُعيد رسم الخريطة الأمنية والسياسية لمالي ومنطقة الساحل بأسرها. وتطرح هذه القراءة مجتمعةً احتمال انزلاق مالي نحو نمط صراع أقرب إلى “النموذج السوري”، حيث تتآكل السلطة المركزية لصالح مناطق نفوذ متنازعة مع تصاعد أدوار الفاعلين الخارجيين وشبه الدوليين في تشكيل مآلات الصراع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات