الرئيسيةمقالاتتحالف البحر الأحمر… هل تدفع السعودية البرهان إلى فك الارتباط بالإسلاميين وإيران؟...

تحالف البحر الأحمر… هل تدفع السعودية البرهان إلى فك الارتباط بالإسلاميين وإيران؟ وكيف يربح معسكر “تأسيس” من إعادة هندسة التحالفات؟

جمال طيفور

لم يكن الخبر الذي نشرته وكالة رويترز عن المساعي السعودية لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر مجرد تطور أمني جديد في مواجهة هجمات الحوثيين، وإنما مؤشر إلى عملية إعادة ترتيب واسعة للخريطة الإقليمية قد تصل ارتداداتها سريعاً إلى السودان، الدولة التي تمتلك أحد أطول السواحل على البحر الأحمر، والتي تحولت حربها الداخلية إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمي.

ورغم أن المشروع، بحسب رويترز، لا يزال في مرحلة المشاورات ولم تتحدد بعد عضويته النهائية أو آليات عمله، فإن الرسالة السياسية تبدو أكثر وضوحاً من تفاصيله العسكرية؛ فالسعودية تتحرك لتشكيل منظومة أمنية هدفها تقليص المجال الحيوي لإيران على امتداد البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهو مسار يضع سلطة بورتسودان أمام اختبار قد يكون الأصعب منذ اندلاع الحرب.

فكيف يمكن لسلطة اعتمدت طوال الحرب، وفق تقارير دولية متعددة، على الطائرات المسيّرة والتعاون العسكري الإيراني أن تتحول إلى شريك في تحالف تقوده الرياض لمواجهة النفوذ الإيراني والحوثيين؟ وكيف تستطيع الاحتفاظ في الوقت نفسه بتحالفها الوثيق مع الحركة الإسلامية وكتائبها التي أصبحت العمود الفقري لمشروعها العسكري والسياسي؟

هذه أسئلة وجودية تواجه البرهان، الذي يجد نفسه محاصراً بين داعم الأمس وشروط داعم اليوم.

فالسعودية لم تعد تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره ممراً تجارياً يحتاج إلى حماية السفن فقط، وإنما بوصفه فضاءً أمنياً ينبغي إخضاعه لترتيبات جديدة تستبعد أي نفوذ إيراني مباشر أو غير مباشر. ومن هذا المنطلق يصبح السودان قطعة لا غنى عنها في المشروع السعودي، لأن أي منظومة أمنية تستثني الساحل السوداني ستظل منقوصة الفاعلية.

غير أن المشكلة تكمن في أن سلطة بورتسودان لم تصل إلى موقعها الحالي اعتماداً على الرياض وحدها. فمع اشتداد الحرب وانكماش خياراتها الخارجية، فتحت أبوابها أمام طهران، واستقبلت دعماً عسكرياً وتقنياً أسهم في استمرار عملياتها القتالية. واليوم تجد نفسها مطالبة عملياً بالانتقال إلى الضفة المقابلة، وهي قفزة لا تبدو سهلة، خاصة في ظل نفوذ الإسلاميين الذين يرون في التحالف مع إيران خياراً فرضته الحرب ويحاولون تحويله إلى واقع دائم.

التجربة السودانية تقدم سابقة لافتة. فالمخلوع عمر البشير انتقل خلال سنوات قليلة من التحالف مع إيران إلى التموضع الكامل داخل المحور السعودي، فأغلق المراكز الثقافية الإيرانية، وشارك في حرب اليمن، مقابل دعم سياسي واقتصادي مكّنه من إطالة عمر نظامه. والبرهان ليس أقل براغماتية من البشير؛ فقد أثبت خلال الحرب أن بقاءه في السلطة يتقدم على ثبات التحالفات، وأن تبديل الحلفاء ليس خطاً أحمر إذا اقتضت موازين القوة ذلك.

لكن الفارق هذه المرة كبير. فالبشير كان يسيطر على دولة مستقرة نسبياً، أما البرهان فيدير سلطة تعيش على إيقاع الحرب، وتعتمد في بقائها على ائتلاف هش يضم الإسلاميين وكتائبهم المسلحة وشبكات المصالح التي نشأت خلال الصراع. وأي محاولة للتخلص من هذا الإرث قد تفتح صراعاً داخل معسكره قبل أن تمنحه مكاسب خارجية.

وهنا تظهر المفارقة الأكثر أهمية. فالمشروع السعودي، حتى إن منح البرهان دعماً سياسياً وعسكرياً، قد يتحول في الوقت نفسه إلى عامل تفكيك لمعسكره الداخلي. فإبعاد إيران يعني تلقائياً إضعاف أحد أهم مسارات الدعم التي استفادت منها الحركة الإسلامية، كما أن تقليص نفوذ الإسلاميين يمثل مطلباً يصعب تجاهله إذا أرادت الرياض تقديم سلطة بورتسودان بوصفها شريكاً مقبولاً في ترتيبات البحر الأحمر الجديدة.

وفي المقابل، تبدو هذه التحولات فرصة ثمينة لتحالف “تأسيس”. فكلما اتسعت الهوة بين البرهان والإسلاميين، ازدادت هشاشة معسكر بورتسودان، وارتفعت فرص فرض مقاربة سياسية جديدة لا تمنح سلطة الحرب حق احتكار مستقبل السودان. كما أن أي تصدع داخل هذا المعسكر يمنح “تأسيس” مساحة أوسع لإعادة ترتيب أوراقه السياسية والعسكرية، مستفيداً من التناقضات التي قد تنشأ بين داعمي البرهان الإقليميين وحلفائه المحليين.

ومن هنا قد لا يكون الرهان الحقيقي لـ”تأسيس” هو مواجهة البرهان في الميدان فقط، وإنما استثمار التحولات التي تفرضها الرياض نفسها على حليفها الجديد، لأن إعادة هندسة التحالفات كثيراً ما تكون أكثر تأثيراً من نتائج المعارك.
المفارقة أن سلطة بورتسودان، التي رفعت طوال الحرب شعارات السيادة ورفض الإملاءات الخارجية، تجد نفسها اليوم أمام استحقاق إقليمي قد يفرض عليها إعادة تعريف حلفائها، وإعادة رسم بنيتها السياسية والعسكرية وفق متطلبات مشروع لا تملك ترف تجاهله إذا أرادت البقاء داخل المظلة السعودية.

قد يبدأ تحالف البحر الأحمر بعنوان حماية الملاحة، لكن تداعياته قد تمتد إلى ما هو أبعد كثيراً من المياه الإقليمية. ففي السودان، قد يصبح هذا التحالف بداية مرحلة جديدة عنوانها تفكيك التحالفات التي صنعت الحرب، وإعادة توزيع موازين القوة بين معسكر بورتسودان وخصومه. وعندها لن يكون السؤال كيف ستنتهي الحرب، وإنما من سيبقى واقفاً عندما تنتهي عملية إعادة هندسة التحالفات التي تقودها العواصم الإقليمية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات