خطاب الكراهية في السودان: من قانون المناطق المقفلة 1922 إلى صناعة الإبادة. (التوظيف السالب للتنوع كجريمة دولة)

0
19
خطاب الكراهية في السودان: من قانون المناطق المقفلة 1922 إلى صناعة الإبادة. (التوظيف السالب للتنوع كجريمة دولة)
خطاب الكراهية في السودان: من قانون المناطق المقفلة 1922 إلى صناعة الإبادة. (التوظيف السالب للتنوع كجريمة دولة) بقلم : عادل عبدالله نصرالدين - المحامي

خطاب الكراهية في السودان: من قانون المناطق المقفلة 1922 إلى صناعة الإبادة. (التوظيف السالب للتنوع كجريمة دولة)

بقلم: عادل عبدالله نصرالدين – المحامي

المقدمة :

لم يكن خطاب الكراهية في السودان زلة لسان ، بل كان هندسة فالدولة التي لا شرعية انتخابية لها لا تستطيع حكم شعب متنوع إلا بتقسيمه ، ولا تستطيع أن تسرق موارده إلا إذا شغلته بنفسه.

السودان يملك ثروة قومية نادرة: أكثر من 570 قبيلة و اكثر من مئة لغة . ففي كل الدنيا التنوع ثروة ، إلا في السودان تحول إلى لعنة ، والسبب ليس التنوع ، بل جريمة اسمها “التوظيف السالب للتنوع”. تحويله من تكافل إلى مليشيا ، ومن هوية إلى تهمة.

أولا: التعريف – ما هو خطاب الكراهية؟

أفضل تعريف معتمد دوليا هو تعريف الأمم المتحدة:

”خطاب الكراهية هو أي نوع من التواصل، شفهي أو كتابي أو سلوكي، يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية ضد شخص أو مجموعة على أساس هويتهم، أي على أساس الدين، أو العرق، أو اللون، أو الأصل، أو الجنس، أو الإعاقة، أو اللغة، أو الانتماء السياسي ‘”.

لكن هذا التعريف العام لا يكفي. قسمه الفقه الدولي إلى (3) مستويات، وهذا هو الأهم:

1. المستوى الأول: كراهية غير مشروعة لكنها لا تصل للجريمة. مثل السخرية من لهجة. يعالج بالتثقيف والمناهج. مثل الدراما التي تسخر من “الغرابي”.

2. المستوى الثاني: كراهية تستوجب الحظر المدني. مثل التمييز في الوظائف بسبب القبيلة. يعالج بقانون مدني يمنع التمييز.

3. المستوى الثالث: كراهية تستوجب التجريم الجنائي. وهذا الذي يهمنا في السودان. وهو كل خطاب يحقق 3 أركان معا:
أ- الركن المادي: دعوة علنية (فيديو، خطبة، بوست)
ب- الركن المعنوي: نية التحريض على الكراهية والعنف
ج- ركن الخطورة: أن يكون من شأنه أن يؤدي لتمييز أو عداوة أو عنف فعلي.

وبناء عليه، نعرف خطاب الكراهية في السياق السوداني بأنه:
” التوظيف السالب والممنهج للتنوع (القبلي والديني والجهوي والسياسي) عبر وسيلة علنية، بقصد زرع العداوة أو تبرير التمييز أو التحريض على العنف، سواء استخدم آلية “مديدة حرقاني” لتفجير المجتمع أفقيا، أو منهج التخوين لاغتيال السياسة عموديا، بما يهدد السلم الأهلي وبقاء الدولة” .

ثانيا: التطور التاريخي لخطاب الكراهية – من الفكرة إلى الصناعة .

1. مرحلة التأسيس (1922-1956): صناعة الاستعمار
وضع الاستعمار البريطاني قانون المناطق المقفولة 1922. قسم بموجبه السودان لشمال مسلم وجنوب مسيحي ودارفور معزولة، ومنع التنقل والتعليم والتنمية بينها. ترك ملفا اسمه “فرق تسد” كقنبلة موقوتة.

2. مرحلة التكريس (1956-1989): الحكومات الوطنية .
بدلا من إلغاء القانون الاستعماري، استخدمته حكومات ما بعد الاستقلال لإدارة الأزمة:
– آلياتها: مركز يحتكر السلطة والثروة (الخرطوم – الشمالية – الجزيرة)، وهامش يدار بالحكم غير المباشر عبر الإدارة الأهلية.
– أدواتها: إهمال مقصود للتعليم والصحة والطرق في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والشرق.
– النتيجة: تمييز مناطقي، لكنه لم يصل بعد لمرحلة التسليح والفتوى.

3. مرحلة الدولة والمشروع . (1989- حتى حرب الخامس عشر من ابريل ): و هيي المرحلة الأخطر في تاريخ السودان ،
هنا حولت الحركة الإسلامية الفكرة من سياسة إلى مشروع دولة ومن العزل إلى التسليح و من التهميش إلى الإبادة .

ثالثا: الآليات – كيف صنعت الحركة الإسلامية العنصرية وقننتها ؟

1. آلية التصنيف والوسم: نزع الإنسانية عبر لافتة جنوبي -> كافر ، دارفوري-> زرقة وعب ، شرقي -> مهرب ، معارض -> شيوعي مرتد ، امرأة -> متبرجة.

2. آلية التسليح العرقي المتبادل: قانون الدفاع الشعبي 1989 وقانون المراحيل ، تسليح الرزيقات ضد الدينكا وتسليح الجنجويد ضد الفور والزغاوة والمساليت.

3. آلية التشريع التمييزي: قانون الصالح العام فصل اكثر من 100 ألف موظف على أساس قبلي، وقانون النظام العام لتجريم ثقافات، وقانون تقسيم دارفور لثلاث ولايات لتفجير الحواكير.

4. آلية الاقتصاد العقابي: حصار وقصف أسواق الهامش، وفتح اقتصاد الذهب والبترول والشركات الأمنية لمركز قبلي محدد .

رابعا: الاستراتيجيات – الاستراتيجية المزدوجة للتفريق .

اتبعت استراتيجية مزدوجة محكمة:

1. استراتيجية خاصة بالعامة (تفجير المجتمع أفقيا) :
الهدف: عرب وزرقة، غرابة وجلابة. الأداة: الغريزة والخوف. “أهل دارفور سيأخذون بيوتكم”. النتيجة: المواطن البسيط يقاتل أخاه في السوق ومعسكر النزوح.

2. استراتيجية خاصة بالخصوم السياسيين (اغتيال السياسة عموديا):
الهدف: عملاء سفارات، خونة . الأداة: التكفير والعمالة. النتيجة: الشعب يكفر بكل السياسيين ويقبل بالعسكر كمنقذ.

والعبقرية الشيطانية أن المنهجين يكملان بعضهما، وانقلاب 25 أكتوبر كان التطبيق المثالي: شيطنة لجان المقاومة بأنهم “صعاليك ومثليين” (للعامة)، وشيطنة القوي السياسية المعارضة بأنهم”عملاء”(للخاصة).

خامسا: الأدوات – من المنبر إلى الخوارزمية .

– الجيل الأول (1956-1989): تم استخدام المناهج والمساجد والإعلام الرسمي.
– الجيل الثاني (1989-2019): ساحات الفداء، فتوى الجهاد، صحيفة الانتباهة، قانون النظام العام، الدراما الساخرة من اللهجات.
– الجيل الثالث (2019- اليوم): حرب 15 أبريل. صناعة رقمية كاملة: كتائب الجداد الإلكتروني، فيديوهات جز الرؤوس مع تعليق “شوفو المتعاونون” و “شوفو الفلول”، تحويل القتل لمحتوى ترفيهي.

سادسا: النتائج على الدولة السودانية .
الدولة التي بنيت بسياسة “مديدة حرقاني”ةانتهت بـ:
1. انفصال الجنوب.
2. حرب إبادة في دارفور وجبال النوبة
3. حرب 15 أبريل كحرب الكل ضد الكل، ووصول خطاب الكراهية لمرحلة الاستعباد الجنسي وبيع النساء.

سابعا: التكييف القانوني – من حرية تعبير إلى جريمة حرب .

1. القانون الدولي: المادة 20 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تحظر التحريض على الكراهية. المادة 4 من اتفاقية القضاء على التمييز العنصري تجرم نشر أفكار التفوق العنصري. السودان مصادق عليهما.
2. جريمة دولية: المادة 25 (3) (هـ) من نظام روما تجرم التحريض المباشر والعلني على الإبادة، حتى لو لم تقع. مجرد قول “اقتلوا الزرقة” في فيديو يعد جريمة مكتملة الاركان .
3. السابقة القضائية: قضية الإعلام في رواندا ضد إذاعة RTLM. حكمت بالمؤبد على صحفيين لأنهم استخدموا كلمة “الصراصير” ضد التوتسي. قالت المحكمة: الكلمة هي السلاح والميكروفون هو البندقية. وهذا ينطبق 100% على مصطلحات “العبيد” و “أولاد الضيفان”.
4. خطة الرباط: (6) معايير لتمييز حرية التعبير عن الجريمة: السياق، المتحدث، النية، المحتوى، مدى الانتشار، احتمالية العنف. كل فيديوهات التحريض في السودان تحققها.

ثامنا: دور المنظمات – من القاعة إلى البودكاست .

لا شك أن منظمات المجتمع المدني بذلت و لا زالت تبذل جهدا مقدرا عبر مئات الورش في القاعات المغلقة، و ذلك جهد يجد تقديره .

لكن الحقيقة العملية ان الحركة الإسلامية لم تنشر كراهيتها عبر ورشة، بل عبر فيديو تيك توك 30 ثانية.

و بالتالي لا يمكن هزيمة سلاح الخوارزمية بسلاح القاعة فالمطلوب هو التوظيف الإيجابي للتنوع عبر التوظيف الإيجابي للتكنولوجيا بتحويل الورش من توعية إلى ورش تدريب مدربين TOT على صناعة المحتوى المضاد ، فبدلا من تدريب 30 شخصا في قاعة يتم تدريب 30 صانع محتوى على البودكاست والريلز كسلاح مضاد. المواطن في دارفور لا يأتي لقاعة في الخرطوم، لكن البودكاست يأتيه في هاتفه. المعركة معركة خوارزميات.

الخاتمة:

الدولة التي بنيت بتوظيف التنوع سالبا وبسياسة “مديدة حرقاني”، لا يمكن أن تستمر بالمحبة فقط. المطلوب ليس “عفا الله عما سلف”، بل قانون مستقل يجرم التوظيف السالب للتنوع كجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ونيابة مستقلة لجرائم التحريض الرقمي، وتحويل ميزانيات القاعات إلى استديوهات بودكاست صغيرة في كل ولاية.

أولا: المراجع القانونية الدولية

الخاتمة:

الدولة التي بنيت بتوظيف التنوع سالبا وبسياسة “مديدة حرقاني”، لا يمكن أن تستمر بالمحبة فقط. المطلوب ليس “عفا الله عما سلف”، بل قانون مستقل يجرم التوظيف السالب للتنوع كجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ونيابة مستقلة لجرائم التحريض الرقمي، وتحويل ميزانيات القاعات إلى استديوهات بودكاست صغيرة في كل ولاية.

المراجع والمصادر .

أولا: المراجع القانونية الدولية (الأساس التجريمي).

1 / الأمم المتحدة، العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966) – المادة 20 (1) و (2): “تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.” – السودان مصادق عليه منذ 1986.

2. الأمم المتحدة، الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965) – المادة (4) تلزم الدول بتجريم نشر الأفكار القائمة على التفوق العنصري. السودان مصادق عليها.

3. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998) – المادة 25 (3) (هـ): تجرم التحريض المباشر والعلني على ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، حتى لو لم تقع الإبادة.

4. خطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية (2012) – وثيقة المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي وضعت الاختبار السداسي الستة: السياق، المتحدث، النية، المحتوى، مدى الانتشار، الاحتمالية.

استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة لمكافحة خطاب الكراهية (2019) – تعريف الأمم المتحدة المعتمد الذي استخدمناه في الورقة.

ثانيا: السوابق القضائية الدولية .

6. المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، قضية المدعي العام ضد فرديناند ناهيمانا وآخرين (قضية الإعلام RTLM) ICTR-99-52-T (2003) : الحكم التاريخي الذي أدان صحفيين بالمؤبد لاستخدامهم كلمة “الصراصير – Inyenzi” ضد التوتسي. القاعدة: الميكروفون سلاح والكلمة رصاصة.

7. محكمة العدل الدولية، قضية تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة – البوسنة ضد صربيا (2007) : اعتبرت التحريض الإعلامي دليلا على نية الإبادة.

ثالثا: المراجع الوطنية السودانية (أدلة التقنين) .

8. قانون المناطق المقفولة 1922 – صادر عن الحاكم العام البريطاني.

9. قانون قوات الدفاع الشعبي لسنة 1989 – المادة (5) التي أعطت الحق بتسليح المواطنين خارج القوات المسلحة.

10. قانون النظام العام لولاية الخرطوم 1996 – المادة المتعلقة بالزي الفاضح والحفلات.

11. قانون الأمن الوطني 1999 و 2010 – المادة 50 و 51 (تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة) التي استخدمت ضد المعارضين.

12. قانون الخدمة المدنية وتعديلات الصالح العام 1989-1995 – التقارير الرسمية لديوان الخدمة التي وثقت فصل أكثر من 70 ألف موظف حسب تقرير نقابة المحامين 1991.

رابعا: التقارير الدولية والحقوقية

13. Human Rights Watch,Darfur in Flames: Atrocities in Western Sudan (2004 – وثق تسليح الجنجويد واستخدام خطاب “الزرقة”.

14. International Commission of Inquiry on Darfur to UN Security Council (2005) – تقرير لجنة التحقيق الدولية في دارفور الذي أثبت سياسة الدولة في تسليح قبائل ضد أخرى.

15. UN Human Rights Council, Report of the UN Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan (2024-2025 -وثق فيديوهات جز الرؤوس والتحريض العرقي في حرب 15 أبريل كجرائم حرب.

16. UNESCO, Countering Online Hate Speech (2015) – حول دور الخوارزميات والكتائب الإلكترونية.

خامسا: المراجع الفكرية .

17. عبدالله علي إبراهيم، تاريخ العنصرية في السودان .
18. فرانسيس دينق، الدين والهوية في السودان – صراع الهويات.
19. منصور خالد، النخبة السودانية وإدمان الفشل.