الرئيسيةاخبار سياسيةد التوم حاج الصافي بكتب :-منبر جدة.. السلام الذي غاب حين حضرت...

د التوم حاج الصافي بكتب :-منبر جدة.. السلام الذي غاب حين حضرت مصالح الحرب

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل اسم منبر جدة يُقدَّم للسودانيين باعتباره بوابة الخلاص: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، إدخال المساعدات، ثم الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب.
لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، يحق للسودانيين أن يسألوا بصوت مرتفع:
ماذا بقي من منبر جدة؟ ومن كان يريد فعلاً إيقاف هذه الحرب؟
السؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى خريطة الدعم الإقليمي.
فالسعودية وقطر، اللتان قدمتا نفسيهما في مراحل مختلفة كدولتين حريصتين على استقرار السودان، أصبحتا في الواقع صاحبتَي علاقات وثيقة مع قيادة الجيش، في وقت تشير فيه تقارير وتحليلات حديثة إلى أن السعودية وقطر تدعمان الجيش سياسياً، بينما تتحرك تركيا ومصر وإيران وغيرها في دوائر الدعم المختلفة للجيش.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
كيف يمكن لدولة أن تكون في واجهة الوساطة من أجل السلام، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة استراتيجية مع الطرف الذي يرفض، أو لا يبدي استعداداً كافياً، لإنهاء الحرب؟
السعودية تحديداً تملك نفوذاً لا يمكن تجاهله. هي الدولة التي استضافت منبر جدة، وهي التي احتفظت بعلاقة مباشرة مع عبد الفتاح البرهان، واستمر التواصل السياسي بين الرياض وقيادة الجيش حتى عام 2026. ففي أبريل الماضي التقى البرهان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جدة، في محادثات تناولت العلاقات الثنائية وأمن البحر الأحمر.
وقطر بدورها حافظت على علاقة مباشرة مع قيادة الجيش؛ وفي يناير 2026 التقى البرهان أمير قطر في الدوحة، في زيارة جاءت ضمن جولة خارجية سعى خلالها الجيش إلى تعزيز علاقاته والحصول على دعم في حربه ضد الدعم السريع.
إذن، المشكلة ليست في البيانات الدبلوماسية.
المشكلة في التناقض بين خطاب السلام وواقع الاصطفافات.
فإذا كانت الرياض والدوحة تريدان فعلاً إنهاء الحرب، فلماذا لا يتحول نفوذهما على قيادة الجيش إلى ضغط حقيقي ومعلن لوقف القتال؟
لماذا لا يصبح استمرار الحرب خطاً أحمر؟
ولماذا يستطيع البرهان أن يحصل على الدعم السياسي والزيارات والاستقبالات والعلاقات الإقليمية، بينما تستمر الحرب في قتل السودانيين وتشريدهم؟
منبر جدة لم يفقد قيمته لأن فكرة التفاوض كانت خاطئة.
لقد فقد جزءاً كبيراً من تأثيره لأن الوساطة وحدها لا تكفي عندما تكون الأطراف الإقليمية نفسها جزءاً من معادلة النفوذ حول الحرب.
والأخطر أن الحرب السودانية لم تعد حرب جنرالين فقط.
إنها حرب تتقاطع فيها مصالح إقليمية: البحر الأحمر، الموانئ، الذهب، النفوذ السياسي، الأمن الإقليمي، ومستقبل السودان نفسه.
وفي المقابل، يدفع المواطن السوداني الثمن.
مدن تُدمر، ملايين يُشردون، الجوع ينهش الناس، والأطفال يدفعون ثمن حرب لم يختاروها.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس بيانات جديدة عن القلق من الوضع الإنساني.
المطلوب موقف سياسي صريح من كل من يملك نفوذاً على طرفي الحرب.
إذا كانت السعودية تريد فعلاً إنهاء الحرب، فعليها أن تستخدم ثقلها على قيادة الجيش لإنهاء الخيار العسكري والعودة إلى التفاوض.
وإذا كانت قطر تريد فعلاً استقرار السودان، فعليها أن تثبت أن علاقتها بالجيش ليست غطاءً لاستمرار الحرب، بل وسيلة للضغط من أجل السلام.
أما أن يستمر الدعم السياسي والعلاقات والتحالفات، بينما تستمر المدافع والطائرات والمسيّرات في قتل السودانيين، ثم يقال للسودانيين إن المجتمع الدولي يريد السلام، فهذه ليست تسوية.
هذه إدارة للحرب تحت اسم السلام.
السودان لا يحتاج إلى عواصم جديدة تتنافس على نفوذه.
السودان يحتاج إلى عواصم تستخدم نفوذها لإيقاف الحرب.
ومنبر جدة لن يستعيد معناه بالبيانات والمؤتمرات.
سيستعيده فقط عندما يصبح السؤال الحقيقي أمام السعودية وقطر وغيرهما:
ماذا ستفعلان لإجبار حلفائكما على إيقاف الحرب؟
فالسودانيون لم يعودوا يريدون سماع حديث عن السلام.
يريدون أن يروا السلام يحدث.
وإذا كانت العواصم الإقليمية لاسيما القاهرة قادرة على التأثير في مسار الحرب، فإنها تتحمل أيضاً مسؤولية أخلاقية وسياسية عن استمرارها.
السودان ليس ساحة نفوذ، والسودانيون ليسوا وقوداً لمعارك الآخرين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات