التقليدية القديمة ليست قدراً يُسجن فيه الإنسان، ولا عبئاً يجب التخلص منه بالكامل. هي سجل حياة، ومخزون تجارب، وذاكرة مجتمع تشكلت عبر أزمنة طويلة. المشكلة لا تكمن في التمسك بالموروث ذاته، بل في طريقة التعامل معه. فحين يتحول التقليد إلى حائط يمنع النظر إلى الأمام، يصبح الإنسان رجعياً حتى وإن ظن أنه يحافظ على الهوية. وحين يُرفض كل قديم لمجرد أنه قديم، يصبح الإنسان غريباً عن جذوره، تائهاً في زحمة الجديد.
الحياة لا تسير بخط مستقيم بين ماضٍ جامد وحاضر متفلت. هي حركة دائمة بين حفظ ما ينفع من التراث، واستيعاب ما يفرضه الواقع. وبعض الأحيان يكون الإنسان رجعياً حين يرفض أن يفهم أن الزمن قد تغير، وأن أدوات المعرفة والسلوك قد تبدلت. وبعض الأحيان يكون متقدماً حين يدرك أن التقدم لا يعني القطيعة، بل يعني الفهم والانتقاء.
اليوم نعيش في واقع افتراضي لا يشبه ما عاشه الآباء. الشاشات صارت ميادين، والمعلومة صارت أقرب من النفس، والعلاقات تتجاوز الحدود الجغرافية بلمسة. من يقف عند حدود ما تعود عليه دون أن يسأل عن طبيعة هذا العالم الجديد، سيجد نفسه معزولاً حتى وهو وسط الناس. أما من يواكب تطورات الواقع الافتراضي بعقل منفتح وضمير يقظ، فهو إنسان متجانس مع وقائع الحياة، قادر على أن يحاور عصره دون أن يفقد بوصلته.
المواكبة ليست تقليداً أعمى لكل ما هو حديث، ولا هي هوساً بالتكنولوجيا. المواكبة هي وعي بأن العالم يتغير، وأن الإنسان مطالب بأن يفهم أدواته ويستخدمها بما يخدم قيمه ومصلحته. من يفهم لغة العصر الرقمي، ويتعامل معها بمسؤولية، ويجعل منها جسراً للمعرفة والعمل والتواصل الإنساني، هو إنسان متقدم حقاً. لأنه جمع بين أصل لا يتنكر له، وحاضر لا يهرب منه.
في النهاية، التقدم ليس أن تنسى من أنت، والرجعية ليست أن تتذكر من كنت. التقدم أن تكون حاضراً بذكاء في زمنك، وأن تختار من القديم ما يضيء طريقك، ومن الجديد ما يوسع أفقك. فالإنسان المواكب هو إنسان متصالح مع ماضيه، متفاعل مع حاضره، ومستعد لمستقبل لا ينتظر أحداً.
أما من يتمسك بالتقليدية القديمة ويفرضها على الناس فرضاً، فهو في حقيقته غير متصالح مع نفسه وواقعه. لأنه يقاتل زمناً مضى، ويحاول أن يوقف عجلة لا تتوقف.
لذلك دعونا نكون أكثر واقعية. لنجعل من واقعنا، ومن شبابنا، عنفواناً للتغيير ونقطة تحول حقيقية في السودان الجديد. سودان لا ينكر ماضيه، ولا يخاف من حاضره، بل يصنع مستقبله بأيدي من فهموا أن المواكبة هي الطريق، وأن الأصالة هي البوصلة.
إن الصحفيين والإعلاميين مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن يواكبوا حركة التطور التي يشهدها العالم. عليهم أن يستوعبوا طاقات الشباب، وأصحاب الهمم، وصانعي المحتوى، وأن يفتحوا لهم أبواب المؤسسات الإعلامية لا كمتفرجين، بل كشركاء في صناعة الرأي العام.
لكن هذه المواكبة يجب أن تُضبط بميثاق أخلاقي وقانوني راسخ، يحفظ قيم المجتمع وأعرافه، وينظم العمل الإعلامي وفق مبادئ المسؤولية والمهنية.
فالأمم لا تُبنى بالتقنية وحدها، بل بالأخلاق التي تسندها. إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا. وحين تكون النفوس كباراً، تهون في سبيل مرادها الأجسام، وحين يكون الإعلام واعياً بأخلاقه، يصبح صوتاً للبناء لا معولاً للهدم.

