كلما تأملنا مساراتها أيقنا أن حرب السودان (15 أبريل) في أصلها قائمة على النقيض الإنساني؛ مهما أبدت أطرافها من حسن النوايا والدعائية التي تنحو للتمشدق تارة باسم الشعب ـ الكرامة؛ وتارة باسم القضية ـ الديمقراطية.. إلى آخر الترهات.. وليس لفاعل في الحرب الحالية شرف العروج لهذه المقامات، لذلك فإن الحديث عن فظائعها وانتهاكاتها طبيعياً بأيِّ رقم مهول.. يكفي أنه في عام الحرب الأول (2013) شهدنا انهيار أكثر من (10) هُدن مُعلنة ..كل هدنة كسابقتها من حيث عدم الإلتزام بحبرها.. وكلما تطاول أمد (اللا هدنة ـ اللا مخرج) انعكس ذلك بؤساً في كل صعيد وضاقت سبل النجاة وتجلت المآسي إلى ما فوق التصورات أحياناً.. أو كما رأينا.. بينما الشرذمة المعدودين الذين أشعلوا الوطن لزوم مصالحهم وتنمية فسادهم لم يكونوا يوماً من أهل الخنادق والبنادق؛ فقد آثروا السلامة في الفنادق؛ بالتالي فإن الأعصاب الليفية التي يتمتعون بها في غربتهم حصَّنتهم من الشعور بالمواطن؛ وأبانت عدم تأثرهم بويلات الحرب من موت وجوع ومرض ونزوح لم يسبق استشعاره عبر قرون الزمان..!
فإذا كانت الحرب قد كُتبت على السودان بفقدان الآلاف بنيرانها وسِنانها؛ وكُتِبت عليه بملايين النازحين واللاجئين والجرحى والمفقودين فإنه من الظلم المطبق ألا نجد مساراً واقعياً ـ ممكناً ـ يخفف عن الناجين المحاصرين داخل البلاد كلفة استمرار المطحنة العمياء لعامٍ رابع.. وأعني به مسار (المُنقِذين) الفاعلين سواء كانوا محليين أو دوليين.. ومع استمرار عقدة عدم الثقة والتربص والمخادَعة بين فريقى الحرب لا يضمن المُنقِذ خيط نجاة لنفسه؛ ما لم يتسربل بدرقة أمان غير قابلة لاختراق الطرفين وبضمانات دولية حقة لا وعود.. إن المكر المبذول لأي طرف في حرب السودان تجاه الآخر أحد الأسباب المانعة لنجاح أي هدنة والقاتلة لأجنة الأمل في سلام قريب.. بالتالي فإن حلم انسياب احتياجات المواطنين من غذاء ودواء عبر مسارات آمنة يبدو بعيد المنال.. بل حتى المناطق التي نأت عنها أشباح الحرب وخرجت من دائرة الحصار ظلت حاجتها ماسة لكثير من المعينات الحيوية.. ولا مُجيب أو مَهِيب يولي المواطن أهمية بغوثه وتخفيف مصيبته.. بل حتى المكابدة الحياتية في توزيعها على السودانين تبدو مرغوبة لقادة الحرب، فالأخيرة سوقهم الرابحة أو كما يظنون..! كم مرة هيَّات الأقدار حزماً من المساعدات ولم تصل إلى جهة المحتاجين؟ السؤال يبدو كحرث فوق الماء إذا كان المواطن المهدود بالحرب وتداعياتها هو آخر من يفكر فيه القادة..! ومع هذا التعقيد ـ المفتعل أحياناً ـ على الأرض لن تفلح الجهود المحلية لفتح أي مسار إنساني ـ إغاثي ـ إنساني؛ ما لم تصحبها جهود دولية جبارة بدفع أقوى من البيانات والإدانات والاستنكارات وحِصص الأسف المجانية..! فحتى الآن ليست ثمة حصيلة (بقوة الفشل) تلخصها هذه الحرب:
الفشل في السلام.
الفشل في هدنة تنقذ ما يمكن إنقاذه.
الفشل في تجسير الثقة بين فريقى الحرب؛ والتي يمكن البناء عليها لصالح آلاف المحاصرين بالخوف والتشرد ونقص الاحتياجات الضرورية؛ وانعدامها.