تقدير موقف وحدة الشؤون الإفريقية – مركز تقدم للسياسات، لندن
تقديم
أعادت المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الجدل حول مستقبل العملية السياسية في ليبيا، بعد أن كشفت تقارير عن مساعٍ أمريكية لبناء تفاهم لتقاسم السلطة بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والقيادة العسكرية في شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر، بما يشمل إعادة ترتيب هرم السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات السيادية. وقد أثارت المبادرة اهتماماً واسعاً لأنها تمثل أول تحرك أمريكي مباشر بهذا المستوى منذ سنوات، ولأنها تستند إلى مقاربة مختلفة عن المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.
ورغم الثقل البريطاني التقليدي في الملف الليبي، لم يصدر عن لندن أي موقف رسمي يتناول المبادرة بالاسم، لا تأييداً ولا رفضاً. غير أن متابعة المواقف البريطانية في مجلس الأمن، وتصريحات وزارة الخارجية، تكشف أن هذا الصمت لا يعكس غياباً عن الملف، بقدر ما يمثل سياسة محسوبة تقوم على دعم ما يحقق توحيد المؤسسات الليبية، مع رفض أي مسار سياسي قد يضعف مركزية الأمم المتحدة أو يؤجل الاستحقاق الانتخابي.
في المعطيات
كررت بريطانيا في اجتماعات مجلس الأمن خلال عام 2026 أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يجب أن تبقى في صدارة أي عملية سياسية، داعية جميع الأطراف إلى الانخراط في خارطة الطريق التي تقودها الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، وصولاً إلى انتخابات وطنية شاملة.
رحبت لندن، إلى جانب الولايات المتحدة وعدد من الدول الإقليمية والدولية، بالاتفاق على الميزانية الليبية الموحدة في أبريل/نيسان 2026، واعتبرته خطوة مهمة لتعزيز الإدارة الاقتصادية وتوحيد المؤسسات المالية، كما أشادت بالدور الأمريكي في تسهيل هذا الاتفاق.
امتنعت بريطانيا عن التعليق على ما تداولته تقارير إعلامية بشأن منح صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، وهو ما يعكس تمييزاً واضحاً بين دعم الخطوات المؤسسية والاقتصادية، وبين التحفظ على ترتيبات تقاسم السلطة غير المنبثقة عن العملية الأممية.
القراءة والتحليل:
لا يعكس الصمت البريطاني تجاه مبادرة بولس موقفاً سلبياً أو غياباً عن الملف الليبي، بل يمثل سياسة دبلوماسية تقوم على إدارة التوازن بين ثلاث اعتبارات متداخلة: الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والتمسك بالدور المركزي للأمم المتحدة، وحماية المصالح البريطانية طويلة المدى في ليبيا.
تدرك لندن أن الولايات المتحدة ما زالت الفاعل الدولي الأكثر قدرة على التأثير في الأطراف الليبية، وأن تجاهل أي تحرك أمريكي ليس خياراً عملياً. وفي الوقت نفسه، ترى أن أي تسوية لا تمر عبر بعثة الأمم المتحدة ستفتقد الشرعية الدولية، وستواجه صعوبة في الحصول على قبول داخلي وإقليمي، فضلاً عن أنها قد تؤدي إلى تكريس الانقسام بدلاً من تجاوزه.
كما أن الصياغة التي يعتمدها بولس، والتي تصف مبادرته بأنها “مكمّلة” لجهود الأمم المتحدة وليست بديلاً عنها، وفرت لبريطانيا مساحة مريحة لتجنب الدخول في سجال مباشر مع واشنطن. فطالما تؤكد الإدارة الأمريكية أن تحركها لا ينشئ مساراً موازياً، تستطيع لندن الاستمرار في تأكيد ثوابتها الأممية من دون الظهور بمظهر المعارض للمبادرة الأمريكية.
إلى جانب ذلك، تشير طبيعة التحرك الأمريكي إلى أنه يرتبط بدرجة كبيرة بدور مسعد بولس الشخصي أكثر من كونه سياسة أمريكية مؤسسية مكتملة الأركان. فلم يصدر حتى الآن إعلان رسمي من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية الأمريكية يتبنى المبادرة باعتبارها السياسة الرسمية للولايات المتحدة تجاه ليبيا، وهو ما يدفع بريطانيا إلى التعامل معها بحذر وانتظار اتضاح مدى التزام المؤسسات الأمريكية بها قبل بناء موقف سياسي نهائي.
وفي المقابل، تتقاطع المصالح البريطانية مع بعض أهداف المبادرة الأمريكية، ولا سيما توحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية، وضمان استمرار إنتاج النفط، وتحسين بيئة الاستثمار. إلا أن لندن تختلف مع المقاربة التي تمنح الأولوية لتفاهمات النخب المسيطرة على حساب بناء شرعية سياسية جديدة عبر الانتخابات. فمن وجهة النظر البريطانية، لا يمكن تحقيق استقرار دائم إذا تحولت ترتيبات تقاسم السلطة إلى بديل دائم عن الانتقال السياسي، لأن ذلك قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام في صيغة أكثر استقراراً لكنه أقل شرعية.
يكتسب هذا الموقف بعداً مؤسسياً إضافياً، إذ تعد المملكة المتحدة صاحبة “القلم” في مجلس الأمن بشأن ليبيا، وهو ما يمنحها نفوذاً مباشراً في صياغة القرارات الأممية المتعلقة بالملف الليبي. ولذلك فإن الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة لا يمثل فقط موقفاً مبدئياً، بل يحافظ أيضاً على إحدى أهم أدوات النفوذ البريطاني داخل الأزمة الليبية. أما إذا انتقل مركز الثقل إلى تفاهمات ثنائية أو إقليمية خارج الإطار الأممي، فإن قدرة لندن على التأثير ستتراجع بصورة ملموسة.
ومن ثم، يمكن فهم السياسة البريطانية باعتبارها محاولة للإبقاء على قنوات التعاون مع واشنطن، دون منح شرعية سياسية كاملة لمبادرة قد تؤدي، إذا نجحت بصيغتها الحالية، إلى تكريس معادلة تقاسم السلطة بين النخب العسكرية والسياسية القائمة، وتأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم.
الخلاصات:
يقوم الموقف البريطاني على دعم النتائج العملية التي تسهم في توحيد المؤسسات الليبية، مع رفض الانتقال إلى ترتيبات سياسية خارج الإطار الذي تقوده الأمم المتحدة.
لا تعارض لندن الدور الأمريكي في حد ذاته، وإنما تتحفظ على أي مبادرة قد تتحول إلى مسار سياسي موازٍ يضعف شرعية بعثة الأمم المتحدة أو يؤجل الانتخابات.
يمثل الصمت البريطاني سياسة دبلوماسية مقصودة تسمح بالحفاظ على العلاقة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه الإبقاء على مركزية الأمم المتحدة باعتبارها الإطار الوحيد الذي يوفر شرعية دولية للتسوية السياسية.
يرتبط تمسك بريطانيا بالمسار الأممي أيضاً باعتبارات مؤسسية، إذ يشكل مجلس الأمن والأمم المتحدة المجال الرئيسي الذي تمارس من خلاله لندن نفوذها في الملف الليبي.
من المرجح أن تستمر بريطانيا في هذا التموضع ما دامت مبادرة بولس غير متبناة رسمياً من الإدارة الأمريكية، وما دامت الأمم المتحدة قادرة على الحفاظ على موقعها باعتبارها المرجعية الأساسية للعملية السياسية.
إذا نجحت المبادرة الأمريكية في إنتاج توافق ليبي واسع تحت المظلة الأممية، فمن المرجح أن تنخرط بريطانيا فيها بصورة تدريجية. أما إذا تحولت إلى آلية لتكريس تقاسم السلطة بين النخب الحالية خارج المسار الأممي، فمن المتوقع أن تزداد المسافة السياسية بين لندن والمبادرة، مع استمرارها في تجنب المواجهة العلنية مع واشنطن.

