مليشيا الجيش السوداني والدوران في فلك حركات الارتزاق المسلحة

0
16
نفيسة حجر المحامية
نفيسة حجر المحامية

مليشيا الجيش السوداني والدوران في فلك حركات الارتزاق المسلحة
بقلم نفيسة حجر
​حين نتأمل المشهد السوداني اليوم بعين العقل المجرد بعيداً عن خطابات التعبئة الزائفة وشعارات النصر الوهمية سنجد أننا أمام مأساة وطنية مكتملة فهنالك حرب عبثية تحنرق بسببها البلاد بينما تتشكل على أنقاضها خارطة جديدة من الخذلان والصفقات المشبوهة.
​دعونا نقول الحقيقة التي يهرب منها الجميع حيث لم يعد في السودان جيش حقيقي بالمعنى المهني الحقيقي الذي من اوجب واجباته حماية الوطن والشعب فقد اختُطفت هذه المؤسسة برمتها وحُوّلت إلى مجرد مليشيا تابعة للحركة الإسلامية فاضحت تدير هذا العبث وتتحكم في مفاصل المشهد حيث انصرف هؤلاء القادة عن واجبهم الأسمى والمتمثل في حماية الحدود والسيادة الوطنية إلى إدارة الدولة وتجريف مؤسساتها ونهب الموارد واستغلالها في الدفع السخي للميليشيات على حساب دماء الشعب.
​إن الناظر إلى تعامل هذه القيادة يدرك يقيناً أنها لا تثق في الشعب السوداني ولا تراه ظهيراً حقيقياً أليس أفضل لو كان هناك جيش وطني حقيقي يفتح باب التجنيد العام أمام كافة أبناء الشعب للدفاع عن وطنهم بدلاً من إهدار موارد البلاد وثرواتها وتوجيهها لدفع أموال طائلة لميليشيات وحركات مسلحة تقاتل كمرتزقة؟
​لقد زجت قيادة الجيش بعدد كبير من الجنود في المقار العسكرية ووضعتهم في حالة حصار مهين داخل حصونها العسكرية حيث قضى أغلبهم فترة حصار طويلة وضارية تحت وطأة الجوع والقصف والنيران مما أسفر عن خسائر فادحة وكبيرة جداً في الأرواح بين صفوف الضباط والجنود الأبرياء إلى أن انسحب الدعم السريع وتركهم خلفه ضحايا لهذا التخبط والإهمال القيادي لقد خسر الجيش آلاف الجنود والضباط في كل الحصون التي احتمى بها وسقطت تباعاً حتى أصبح هيكلاً بلا جنود ومؤسسة تائهة تبحث عن شرعية مفقودة.
​وحين أدركت هذه القيادة مأزقها وعزلتها لجأت إلى سياسة التكتلات والتحالفات الميدانية المكشوفة بذهنية المحاصصة ففتحت باب التحالف مع حركات الارتزاق المسلحة أمثال مناوي وجبريل إبراهيم ومصطفى طمبور إضافة إلى كيكل والمستنفرين بل وحتى مع قيادات وتشكيلات مثل موسى هلال والنور قبة والسافنا وهم أولئك الذين قاتلوا مع الدعم السريع سابقاً وساهموا في إسقاط الخرطوم والجزيرة والفاشر ونيالا وبابنوسة.
​هؤلاء جميعاً عادوا اليوم ليدخلوا كمنضمين إلى حضن الوطن الذي فتحه البرهان في وجههم مرحباً بهم وبولائهم الجديد المأجور لتقاسم السلطة كغنائم فجبريل إبراهيم وحركته يستميتون في التمسك بوزارة المالية باعتبارها الخزينة التي تُدار بها الصفقات وتمول بها قواتهم ومناوي يتشبث بوزارة المعادن فهي وزارات سيادية واقتصادية حساسة يتم التحكم فيها علي أموال الشعب وثرواته المعدنية ليتقاسموها كغنائم في الوقت الذي تحترق فيه المدن وتنزف دماء الآلاف.
​ولم يتوقف هذا الارتزاق والانهيار عند حدود التحالفات الداخلية بل امتد ليتصل بالخارج فهذه المنظومة العسكرية بدلاً من أن تذهب لحماية الحدود والدفاع عن أرواح المدنيين تنصلت تماماً من هذه الواجبات وفتحت حدود البلاد على مصراعيها للجيش المصري الذي بات يمارس هو الآخر شكلاً فجاً ومكشوفاً من أشكال الارتزاق.
​ففي أكتوبر 2026 و في منطقة شمال الوادي السودانية أقدم الطيران والقوات البرية المصرية على التوغل والقصف الذي طال المعدنين السودانيين العزل داخل أراضيهم الحدودية تحت ذرائع تجاوز الحدود وبدلاً من أن يدافع الجيش السوداني المختطف عن سيادة أراضيه وأرواح مواطنيه آثر الصمت وتغطية هذا التوغل الذي شوهدت مدرعاته تناور في عمق أراضي التعدين في مشهد يُغذي اليقين بأن صمت السلطة الحالية وتفريطها في السيادة الوطنية يمثل جزءاً من صفقات دفع الثروات والذهب لصالح أطراف إقليمية لضمان بقائها لتتكامل بذلك حلقة الارتزاق الداخلي والخارجي على حساب دماء السودانيين وثرواتهم.
​ولكن لماذا ترفض هذه القيادة الحزبية خيار التجنيد الشعبي الواسع وتفضل عليه منطق المحاصصة والارتزاق؟
الإجابة المرة تكمن في أن هذه الميليشيا الاسلاموية لا تثق في الشعب السوداني ولا تؤمن به كظهيراً حقيقياً فإن فتح أبواب التجنيد العام ودمج الشارع السوداني وشباب الثورة ولجان المقاومة في معركة الدفاع عن الوطن يعني بالضرورة ولادة جيش قومي حقيقي وواعٍ لا يقبل بالوصاية الحزبية ولا يرضى بالتبعية ويطالب بدولة مدنية ديمقراطية تنهي إلى الأبد عصر الجنرالات والمرتزقة.
​ولنتوقف هنا لنطرح السؤال الأكثر إيلاماً وخطورة إذا كان البرهان وحاشيته يفتحون الأبواب على مصراعيها لكل هؤلاء المرتزقة وأمراء الحرب والجيوش الأجنبية فلماذا يُغلقونها بإحكام في وجه القوي ؟
إن إغلاق الباب بوجه المدنيين وتهميش القوى السياسية الساعية لدولة مدنية ديمقراطية حقيقية يكشف بوضوح عن عقلية السلطة التي لا ترغب في استعادة الدولة بقدر رغبتها في إعادة إنتاج نظام الاستبداد القديم إنهم يخشون المدنيين الواعين الأحرار أكثر مما يخشون البنادق لأن المدنيين يطالبون بالدولة المدنية وسيادة حكم القانون ومسائلة كل من دمر هذا البلد وأباح دماء أهله وسهّل استباحة أراضيه ونهب ذهبه وثرواته لصالح اجندة الحركة الاسلامية ومصالح دولة الشر المصرية والقوى الإقليمية الآخرين .
​إن هذه الحرب لن تنتهي بانتصار وهمي لطرف على حساب أشلاء السودانيين ولن تُحسم بصيغ محاصصة تعيد تدوير ذات الوجوه والميليشيات تحت لافتة الشرعية ستسقط هذه المنظومة الهشة القائمة على الارتزاق والصفقات والتمكين الحزبي والنهاية الحقيقية لن تكون إلا بتفكيك هذه المنظومة العبثية برمتها وإسقاط الوصاية من قبل العسكر ومليشياته والارتهان الخارجي فالخيار الأوحد هو بناء جيش قومي مهني واحد يحمي الدستور لا المصالح الحزبية وان يعود المدنيين إلى سدة الحكم والسلطة.
​دماء شهدائنا الأبرار وعذاب ملايين النازحين واللاجئين وتدمير المدن والقرى كلها صرخات توقظ الضمير الحي لا صلح مع قتلة الشعوب ولا مستقبل لسودان يُدار بذهنية الغنائم والتمكين والصفقات والتبعية العابرة للحدود ستنتصر الثورة عاجلاً أم آجلاً وحينها سيقف الجميع أمام محكمة التاريخ حينها لن ينفع الندم.