ذو النون سليمان — وحدة الشؤون الإفريقية، مركز تقدّم للسياسات
تقدير موقف.
تقديم: وقّعت هيئة الموانئ البحرية السودانية، في 15 يوليو 2026، مذكرة تفاهم مع شركة “أرغاز” التركية لإنشاء أول رصيف سوداني متخصص في استقبال الغاز وتخزينه بميناء سواكن، بطاقة تخزينية نحو 28 ألف متر مكعب وقدرة على خدمة ثلاث سفن في آن واحد، وفق نظام البناء والتشغيل ثم نقل الملكية.
ورغم أن المشروع لا يزال في طور مذكرة التفاهم، فإن توقيته وموقعه ونوع الشريك المنفذ يمنحونه دلالة تتجاوز حجمه الاقتصادي: فهو يعيد سؤال الحضور التركي في سواكن إلى الواجهة، لكن هذه المرة عبر بنية تحتية مدنية محدودة، لا عبر مشروع سياسي-تاريخي واسع كتجربة 2017 التي أثارت حينها مخاوف إقليمية من موطئ قدم عسكري تركي.
في المعطيات:
لم تُعلن القيمة المالية للمشروع ولا مدة التشغيل الممنوحة لأرغاز، وهو ما يتسق مع بقاء الاتفاق في مرحلته الأولية. ويأتي امتداداً لمباحثات سابقة بين الطرفين حول تخزين الغاز والمرافق العائمة وصيانة السفن، ما يوحي بأنه جزء من حزمة تعاون أوسع. ويعكس اختيار نموذج البناء والتشغيل حاجة الخرطوم إلى تمويل خارجي لا يثقل الموازنة العامة في ظل ضغوط الحرب.
سبق لتركيا أن دخلت سواكن باتفاقات 2017 خلال زيارة أردوغان، بقيمة إجمالية قاربت 650 مليون دولار، أثارت مخاوف من تحوّل الميناء إلى موطئ قدم عسكري رغم طرحها رسمياً كمشروع سياحي-تاريخي. ويأتي الاتفاق الجديد بعد إلغاء الخرطوم في نوفمبر 2024 اتفاقاً إماراتياً بستة مليارات دولار لميناء أبو عمامة، على خلفية اتهامات سودانية لأبو ظبي بدعم قوات الدعم السريع، تنفيها الإمارات.
القراءة والتحليل
لا يمثل رصيف الغاز عودة كاملة لتركيا إلى مشروع سواكن القديم، ولا يشير في مرحلته الحالية إلى تحول استراتيجي حاسم في موازين النفوذ على البحر الأحمر. لكنه يكشف عن تعديل في الأسلوب التركي، يقوم على العودة التدريجية عبر قطاعات اقتصادية وخدمية محددة، بدلاً من البدء بمشروعات ضخمة ذات رمزية سياسية وسيادية مرتفعة.
فالتجربة السابقة أظهرت لأنقرة أن الحضور المباشر في سواكن يمكن أن يثير حساسية مصرية وخليجية، خصوصاً عندما يقترن الحديث عن إعادة تأهيل الميناء بتوقعات تتعلق بالاستخدام العسكري أو البحري. ولذلك يبدو المشروع الجديد أقل طموحاً من حيث الحجم، لكنه أكثر واقعية من حيث فرص التنفيذ والقبول، لأنه يرتبط بحاجة سودانية فعلية إلى تطوير منشآت استقبال الغاز وتخزينه وتحسين كفاءة الميناء.
وتسمح بوابة الطاقة لتركيا بتقديم حضورها باعتباره استثماراً تجارياً يخدم الاقتصاد السوداني، مع تحقيق مكاسب استراتيجية غير مباشرة. فإدارة منشأة للطاقة داخل ميناء مهم تمنح الشركة المنفذة معرفة تشغيلية وعلاقات مؤسسية وحضوراً طويل الأجل يمكن توسيعه لاحقاً إلى خدمات التخزين والصيانة والنقل البحري، من دون الحاجة إلى إعلان مشروع جيوسياسي واسع منذ البداية.
كما يستفيد التحرك التركي من التغير الذي طرأ على خريطة الشراكات السودانية منذ اندلاع الحرب. فقد أدت الأزمة إلى إضعاف قدرة الدولة على تنفيذ المشروعات الكبرى، وإلى توتر علاقاتها مع بعض المستثمرين الإقليميين، ولا سيما الإمارات. ولا يعني ذلك انتقال النفوذ تلقائياً من أبو ظبي إلى أنقرة؛ فالعلاقات الاقتصادية الإماراتية بالسودان، خصوصاً في قطاعات الذهب والتجارة والاستثمار، أعمق من أن يحل محلها مشروع تركي محدود. لكنه يعني أن تعثر بعض المشروعات الخليجية خلق مساحة سياسية واقتصادية لدخول شركاء آخرين.
ولا ينفصل المشروع عن علاقات تركيا المتنامية مع المؤسسات التي تدير المناطق الخاضعة للجيش السوداني. فالميناء يقع ضمن المجال الذي تسيطر عليها القوات المسلحة السودانية، كما أن تركيا تمتلك قطاعاً متقدماً في الصناعات الدفاعية وتحتفظ بعلاقات سياسية وأمنية مع الخرطوم. ومع ذلك، لا تتوفر في مذكرة التفاهم المعلنة مؤشرات تثبت وجود وظيفة عسكرية للمشروع؛ ومن ثم ينبغي التمييز بين السياق الأمني العام للعلاقة وبين الطبيعة المدنية المعلنة للرصيف.
يمس المشروع، بصورة غير مباشرة، أمن الطاقة في البحر الأحمر. فرغم أن الرصيف مخصص أساساً لخدمة احتياجات السودان، فإن موقع سواكن على الساحل الغربي للبحر الأحمر يجعله جزءاً من شبكة الموانئ والمنشآت التي تؤثر في كفاءة حركة التجارة وإمدادات الوقود عبر الممر البحري الممتد من باب المندب إلى قناة السويس. وكلما ازدادت المنشآت المرتبطة بالتخزين والاستقبال والخدمات البحرية، ارتفعت أهمية الساحل السوداني داخل منظومة أمن الإمدادات الإقليمية.
ومن شأن ذلك أن يدفع السعودية إلى متابعة المشروع من زاوية استقرار الساحل المقابل لأراضيها وأمن حركة الملاحة والطاقة، أكثر من النظر إليه باعتباره تهديداً مباشراً. فالرياض لا تعارض بالضرورة الاستثمارات التركية المدنية، لكنها ستكون معنية بألا تتحول المشروعات الاقتصادية تدريجياً إلى ترتيبات أمنية أو عسكرية تغير توازنات الضفة الغربية للبحر الأحمر.
أما مصر، فمن المرجح أن تنظر إلى أي توسع تركي في الموانئ السودانية بحساسية أكبر، بسبب ارتباط البحر الأحمر بأمن قناة السويس، وبالعلاقات المصرية السودانية، وبخبرة التنافس المصري التركي خلال العقد الماضي. غير أن تحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة، والطبيعة المدنية المحدودة للمشروع، قد يدفعان مصر إلى مراقبته من دون مواجهته، ما لم تظهر مؤشرات على انتقاله من الاستثمار التجاري إلى حضور عسكري أو أمني دائم.
انتقال المشروع من مذكرة تفاهم إلى منشأة عاملة سيظل مرهوناً بعوامل عدة، في مقدمتها استمرار التمويل، واستكمال الإجراءات القانونية، وتوافر الضمانات الأمنية، ومستقبل الحرب والتسوية السياسية. كما أن أي حكومة سودانية مقبلة قد تعيد مراجعة العقود طويلة الأجل، خصوصاً إذا رأت أنها أُبرمت في ظل اختلال مؤسسي أو غياب توافق وطني حول إدارة الموانئ والموارد السيادية.
الخلاصات:
تعكس المذكرة تحولاً في المقاربة التركية من المشروعات الواسعة ذات الحساسية السياسية إلى استثمارات قطاعية في الطاقة والخدمات البحرية.
لا يشكل المشروع بحجمه الحالي تحولاً في ميزان النفوذ بالبحر الأحمر، لكنه يمنح أنقرة موطئ قدم مؤسسياً قابلاً للتوسع لاحقاً.
تستفيد تركيا من حاجة السودان للتمويل وتعثر بعض الشراكات الخليجية، دون أن تقترب من منافسة الحضور الصيني أو الخليجي.
ستراقب الرياض المشروع من زاوية أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، بينما تتعامل القاهرة معه بحذر مرتبط بأمن قناة السويس، ما لم تظهر مؤشرات عسكرية.
لا توجد حتى الآن مؤشرات على بُعد عسكري للمشروع؛ أهميته الراهنة اقتصادية ولوجستية، وتوسعه المستقبلي مرهون بمسار الحرب واستقرار السلطة في السودان.
التقدير:
تركيا لم تعد بعد إلى البحر الأحمر بالمعنى الاستراتيجي الكامل، لكنها بدأت تختبر طريقاً أقل صداماً للعودة عبر بوابة الطاقة والبنية التحتية