د التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير العلاقات الدولية .نيويورك
ما الذي حدث لأحمد القرشي بعد أن أصبح مستشارًا للبرهان؟ سؤالٌ لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة لفهم هذا التحول الحاد في الخطاب والمواقف. فالرجل الذي كان يُقدَّم بوصفه صاحب قلمٍ نقديٍ جريء، أصبح اليوم يتحدث بلغةٍ أقرب إلى التبرير منها إلى التحليل، وإلى التغطية منها إلى المكاشفة.
قد يُمرَّر تغير المواقف في سياق التحولات السياسية، وقد يُفهم في إطار تبدل المواقع، لكن ما لا يمكن استيعابه هو هذا التناقض الصارخ: كيف لمن دافع في وقتٍ سابق عن شخصيات مثيرة للجدل، بل ووقف في مساحة رمادية تجاه مجموعات متهمة بالإرهاب، أن يأتي اليوم لينفي – بثقة مطلقة – وجود أي تأثير للإخوان داخل المؤسسة العسكرية؟ هل تغيّرت الحقائق، أم تغيّر موقع المتحدث فقط؟
إن محاولة تسويق فكرة أن السودان “ليس رهينةً للإخوان” لا تكون بإنكار الواقع، بل بمواجهته. فالقضية ليست شعارًا يُرفع، بل بنية نفوذ ممتدة ومعقدة، يعرفها كل من تابع المشهد السوداني خلال العقود الماضية. الإنكار هنا لا يخدم الدولة، بل يضعف ثقة الناس في الخطاب الرسمي، ويجعل من الكاتب جزءًا من الأزمة بدل أن يكون شاهدًا عليها.
ثم إن الحديث عن أن السودان “ليس مستعمرةً لإيران” هو طرحٌ في ظاهره وطني، لكنه في باطنه انتقائي، لأنه يتجاهل أسئلة مشروعة حول طبيعة العلاقات الإقليمية، وحدود التأثيرات الخارجية، وأدوار الفاعلين غير الرسميين. الدفاع الحقيقي عن سيادة السودان لا يكون عبر الشعارات، بل عبر الشفافية والاعتراف بالتحديات.
الأكثر إثارة للدهشة هو هذا التحول في نبرة القرشي: من ناقدٍ للسلطة إلى مبررٍ لها، ومن كاتبٍ يطرح الأسئلة إلى صوتٍ يقدّم الإجابات الجاهزة. هذا ليس تطورًا طبيعيًا، بل انزياحٌ يثير الشكوك حول استقلالية الموقف، ويطرح تساؤلات مشروعة عن الثمن الذي دُفع مقابل هذا التحول.
لقد باع الرجل تاريخه الناصع بثمنٍ بخس، وهو لم يكن بحاجةٍ إلى ذلك. فالقيمة الحقيقية للكاتب ليست في قربه من السلطة، بل في قدرته على قول ما لا يُقال، وعلى الحفاظ على مسافةٍ نقدية تضمن له احترام القارئ، حتى وإن اختلف معه.
لكن الأخطر من ذلك، أن القرشي لم يكتفِ بتغيير موقعه، بل شرع في إعادة صياغة الواقع ذاته بما يتوافق مع موقعه الجديد. فبدل أن يواجه التناقضات، أصبح يعمل على طمسها، وبدل أن يكشف شبكات النفوذ، بات ينكر وجودها أصلًا. هذا السلوك لا يعكس مجرد انحياز، بل يكشف عن استعداد لتزييف الوعي العام، وهو دور أخطر بكثير من مجرد الصمت، لأنه يمنح الغطاء الفكري لاستمرار نفس الاختلالات التي كان ينتقدها بالأمس.
كما أن محاولته الظهور بمظهر “العارف بخفايا الأمور” لم تعد تقنع أحدًا، لأن التناقض بين ماضيه القريب وحاضره الصاخب صار فاضحًا. فالقارئ ليس فاقدًا للذاكرة، ولا يمكن خداعه بهذا الانقلاب الحاد في الخطاب. إن ما يقدمه اليوم لا يُقرأ كتحليلٍ موضوعي، بل كبيان دفاعٍ سياسي مغلف بلغةٍ صحفية، وهذا في حد ذاته سقوطٌ مهني وأخلاقي، يضعه في خانة من كانوا يومًا جزءًا من المشكلة بعد أن ادّعوا أنهم صوتٌ للحقيقة.
في النهاية، السودان أكبر من أن يُختزل في مقالاتٍ تبريرية، وأعمق من أن يُدار بخطابٍ يُنكر ما يراه الناس بأعينهم. ومن أراد الدفاع عن الدولة، فليبدأ بالصدق مع شعبها، لا بمحاولة إعادة صياغة الواقع على مقاس السلطة.

