الخميس, مايو 21, 2026
الرئيسيةمقالاتمحمد بدوي يكتب:السودان: تطورات حرب أبريل وتبادل المواقع… إلي أين يتجه المشهد.

محمد بدوي يكتب:السودان: تطورات حرب أبريل وتبادل المواقع… إلي أين يتجه المشهد.

المراقب للصراع المسلح في السودان بين قوات الجيش والدعم السريع وحلفائهما،تفرض عليه الموضوعية إستثناء فئة المتطوعين أو الرافضين ضميريا للعنف الذين أُجبروا على المشاركة نتيجة لطبيعة النزاع والظروف غير الاختيارية التي دفعت بهم لحمل السلاح دفاعا عن حياتهم واسرهم نتيجة لتحول المناطق السكنية إلي ساحات قتال مع تعرضهم للانتهاكات في ظل غياب الحماية .
طبيعة الحرب: يمكننا تصنيف هذه الحرب ضمن أنساق صراعات الإسلام السياسي والقوات المنحدرة المنحدرة منه خارج السياق الدستوري والتي تعرف بالبروكسي، الرديفة و المليشيات بشكل عام، جاء الاعتراف بهذه القوات في السياق وسن قانون لها في ٢٠١٧ من أجل وضعها تحت مظلة ترفع الحرج عند الدفع بها للمشاركات الخارجية مثل حرب اليمن، الإ أن ذلك فرض واقعا في ٢٠١٩ بضرورة ادراجها في الوثيقة الدستورية الي حين إيجاد معالجة للإصلاح الامني والعسكري بصورة اشمل لما حدث من تفكيك سياسي ممنهج للبنية القومية وادلجة للعقيدة العسكرية تحت سياسات الاسلام السياسي التي حول ولائها من الدولة للتنظيم، تلك الحروب تعتمد إلي انتهاكات مُخطط لها لكل من قواعد القانونين الدوليين الإنساني وحقوق الإنسان، لإعتمادها على نظريات الدروع البشرية والعقاب الجماعي للمدنيين
عطفا علي ذلك فهي نزاعات تُبقي الباب مفتوحًا أمام أي حليف،لذا نجدها ضمت جماعات مختلفة بغض النظر عن سجلها القانوني أو الأخلاقي ومواقفها السياسية، ونجحت في ترويض بعض الحركات المسلحة وتغيّر حركة بندولها في اتجاه معاكس لمفهوم الكفاح المسلح بقوة دفع محركاتها المسنودة من حلفاء دوليين وإقليميين.
تحمل حرب أبريل ٢٠٢٣ خيطًا مهمًا في أن الدعم السريع يمثل امتداد للقوات الرديفة «المليشيات»، وبالتالي فإن ثقافته العسكرية مستمدة من النسخة التي صنعها الجيش الذي تحول هو الاخر بحكم سجل الصراعات الداخلية المتكررة في فترة ما بعد الاستقلال الي قوة لمجابهة المطالب السياسية والخدمية وفقا لحركة دوران مصالح السلطة الحاكنة، الإشارة الي «الثقافة العسكرية» وليس «العقيدة العسكرية»، لأن العقيدة العسكرية تحولت لدي الجيش الي عقيدة دينية ” وفقا لتصريح عراب الاسلاميين حسن الترابي قي ندوة بدولة قطر” بالمقابل تظل غائبة عن القوات الرديفة كعنصر مرتبط بطبيعة تكوينها والهدف المحدد لها في مظاهر نشؤها الاولية، اي القيام بمهام محدودة مثل عمليات الارض المحروقة تجاه مجموعة او مجموعات محددة دون غبينة بقدرما تركز نظرها نحو المكاسب الموعودة بها، يأتي هذا الأمر مع اختلاف طفيف في حالة الدعم السريع، إذ إن تحوله من قوات حرس الحدود ارتبط بمساندة من السلطة الحاكمة آنذاك، وليس رغبةً في تطويره، بل لأنّ الهدف ارتبط بالصراع داخل الحركة الإسلامية السودانية، وجناحها السياسي المحلول حزب المؤتمر الوطني. لكن عوامل خارجية مثل الأزمة المالية العالمية في 2013، وحرب اليمن في 2015، واتفاق الخرطوم” الخرطوم والاتحاد الاروبي” لمحاربة الهجرة غير الشرعية في 2016، رفعت من أسهم الدعم السريع في بورصة العلاقات الخارجية، ما عزز طموحًا جديدًا تتجه بوصلته نحو السلطة، لكنه ظل ـ وربما سيظل ـ تائهًا في كيفية الوصول إليها .
هذه الطبيعة للحرب وأطرافها تجعل لكل طرف خططًا استراتيجية وأخرى قصيرة المدى. فعودة الإسلاميين إلى السلطة ظلت هدفًا استراتيجيًا للقتال، وهو يتحرك بمرونة؛ بمعنى أن تحقق ذلك عبر الجيش أو الدعم السريع لا يمثل فارقًا كبيرًا لدى الجماعة. لذا فإن استمرار القتال نفسه يُعد هدفًا استراتيجيًا، وهو ما يفسر إفشال منبر جدة في 2023 حتى في الوصول إلى هدنة قصيرة أو مؤقتة، كما يعود ذلك أيضًا إلى قصور الوسطاء في الإلمام بالطبيعة الفلسفية لموقف الإسلام السياسي من فكرة الدولة وكرامة الإنسان من جهة، وطبيعة القوات الرديفة التي قد توافق على أي شرط لوقف الحرب، ليس احترامًا للحقوق، بل لأنه يعزز تطورها ويمنحها وضعًا يقربها من السلطة، حتى ولو داخل نطاق جغرافي محدود تحت سيطرتها، وهو ما قد لا تصل إليه بسهولة عبر الحسم العسكري.

العقاب الجماعي والدروع البشرية: بالنظر إلى نسق القتال في حرب أبريل السودانية، نجد أنها بدأت في قلب المدن، ثم انتقلت إلى الأحياء السكنية والمناطق الحضرية، واستهدفت المرافق المدنية الحيوية، قبل أن تتحول إلى نمط قائم على الانسحاب والسيطرة مع ترك المدنيين دروعًا بشرية وأهدافًا مباشرة للانتهاكات.
هذا تكتيك محسوب بدقة. فعلى سبيل المثال، واستنادًا إلى ما ذكرتُه سابقًا من أن القوات الرديفة غير مستقلة في ثقافتها العسكرية عن الجيش الذي أنشأها، وأنه قادر على التأثير فيها بأبسط الوسائل؛ فإن مجرد إشاعة مقتل قادتها في مايو 2023 حفّزت تصاعد وتيرة الانتهاكات، ولا سيما المرتبطة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية ووضعها في مواجهة سيئة السمعة مع الضمير الإنساني كفاعل ظاهر .
أما النموذج الثاني، فيبرز في استدراجها نحو مناطق أخرى؛ إذ إن سحب الدعم السريع نحو ولاية الجزيرة وسنار نتج عنه توسيع دائرة الانتهاكات، ما وضع الدعم السريع أمام مواجهة متزايدة مع المجتمع الدولي، ومن جانب آخر أدى إلى إنهاك قواته، لينتهي بها الحال إلى الانسحاب، ليس فقط من الجزيرة وسنجة، بل حتى من الخرطوم أيضًا، وامتد الأمر إلى الفاشر، فوقع في فخ مواجهة مستعرة اجبرته علي التعبئة القبلية بشكل اوسع من أجل السيطرة. وكما أشرت سابقًا، فقد تناسى الدعم السريع أن الجيش هو عرّابه الأول في التعبئة التي جاءت به من الأساس، وهذا مثال علي ان نسق التفكير لا يخرج من إطار ” تجريب المجرب”
من جانب آخر نجح الجيش في التأثير على مواقف بعض الحركات المسلحة التي نظرت فقط إلى خيارات المشاركة أو الحياد، في وقت كان بإمكانها ارتداء قبعة «الكفاح المسلح» وهو الأمر الذي سيرفر بوصلة صحيحة، تكثفت عوامل متعددة اخري منها منهج وتوقيت وطريقة صناعة اتفاق سلام السودان 2020 التي اغرقت بالنصوص المتعلقة بالمشاركة السياسية ، دون التفكير في أن نهاية المطاف قد تقود إلى متاهة المفاضلة بين السلطة بين اهداف ومطالب الحركات التي ظلت تقاتل لأكثر من عشرين عامًا من ‘ أجل تحرير السودان من المظالم ” وفقا لديباجاتها .
بذات القدر فإن الحركات التي انحازت نحو الدعم السريع وجدت نفسها أمام مفاضلة صعبة، محصلته ايضا التنازل عن ” المنفستو” والتحول طوعا لمشاركة ـ ولو معنوية ـ في سجل الانتهاكات.

الطبيعة العشائرية واستغلال التناقضات: في ما عمل الجيش علي توسيع نطاق العسكرة عبر التعبىة الشعبية خارج إطار مفهوم قوات الاحتياط’ جاء اعتماد الدعم السريع على التعبئة القبلية الامر الذي قاده إلى مصيدة الاعتماد علي العشائر، فالقبيلة ليست وحدة تحليل يمكن الاعتماد علي نتائجها، فوجد نفسها ماضيا في إعادة إنتاج التجربة ذاتها دون الانتباه إلى أن طبيعة نشأته قامت على أنقاض حرس الحدود، وأن كثيرًا من قادته الحاليين مروا سابقًا بالتجربة نفسها بذات طموح السلطة والأسباب، يتجلي هذا بوضوح عند النظر الي تجربة الشيخ موسى هلال، زعيم المحاميد ومؤسس مليشيات الجنجويد علي سييل المثال لا الحصر، كما ان حرمان النور محمد آدم القبة من العمل في مجال التنقيب عن الذهب بمنطقة هشابة بشمال دارفور عام 2017 من قبل الدعم السريع قد يفسر أحد اسباب إنشقاقه منها في ٢٠٢٦ وإنضمامه للجيش، أضف إلي ذلك ان كل من «هلال » و«السافنا» تعرضا للاعتقال والترحيل من شمال دارفور إلى الخرطوم في 2017، علاوة علي ذلك فان “دامرة” المحاميد “مستريحة” بشمال دارفور تعرضت لهجومين في 2017 و2026 من قبل الدعم السريع، حمل سجلهما انتهاكات واسعة على ذات نسق ما قام به الجنجويد وحرس الحدود مواجهة جيرانهم في ٢٠٠٤ وبعدها.

البناء علي التناقضات: صراعات المجموعة الرعوية في دارفور داخل مثلث الجنجويد، حرس الحدود والدعم السريع بلغ مدي حادا ففي 2021 حاول قائد الدعم السريع إجبار المحاميد على النزوح من مستريحة إلى منطقة الزرق، التي تُعد أرضًا تاريخية للزغاوة، مستغلًا حملة نزع السلاح في 2017 ووضع اليد على أجزاء منها وإنشاء قاعدة عسكرية بها الامر الذي عمق المرارات التاريخية بين هلال وقادة الدعم السريع، هذه التناقضات مثلت نقاط ضعف عمل الجيش على استغلالها ضمن سياسة «فرّق تسد»، عبر توظيف التوترات التاريخية بين المكونات المحلية.
الدعم السريع والسلطة: في عام 2020 بدأ الدعم السريع التفكير في تأسيس حزب سياسي. لكن غياب الرؤية، وطبيعة القيادة، وتبادل المراكز، كلها عوامل ظلت تؤجل الأمر، إضافة إلى عدم الاعتبار لأهميته، فالحكم أو إدارة الدولة بواسطة قوة مسلحة ظل يبرز تاريخيًا عبر الانقلابات العسكرية باعتبارها الطريق الوحيد، لأن مجرد تفكير قوة مسلحة في السلطة يعني انتقالها من التفويض المهني إلى الطموح السياسي، وعقب حرب أبريل 2023، حاول الدعم السريع تكوين قاعدة سياسية، فكانت البداية عبر مؤتمر توغو الذي فشل؛ إذ إنه بدلًا من الحضور المخطط له والبالغ 248 شخصًا، لم يتجاوز المشاركين خمسين مشاركًا، بحسب المصادر الراجحة.
جاءت الخطوة اللاحقة عبر تحالف «تأسيس»، الذي نشأ في ظرف، تراجع الدعم السريع عسكريا نحو دارفور،الي جانب التراجع السياسي للقوى المدنية والسياسية السلمية وفشلها بعضها في الخروج من تناص مظلتي الجيش او الدعم السريع عبر التوحد أو إنشاء تحالف مستقل وفاعل ومتماسك، فبعد أربعة عشر عامًا، عادت بعض القوى السياسية إلى أفكار تشبه «الفجر الجديد» 2010 مع اختلاف السياقات والأطراف، والاعتماد علي مبررات جعلتها في موقف التقابل كالتريد بان السياسات المعلنة من قبل الجيش ترمي لدفع السودان نحو الانفصال مثل تغيير العملة وحرمان بعض الطلاب من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية، في تقديري ان تلك المبررات لا علاقة لها بصحة الاسباب، فبحث الدعم السريع حاضنة سياسية يمثل سببا وجد ضالته في مواقف الجيش من القوي المدنية والسياسية، وهو موقف يعبر عن الحركة الاسلامية ظل حاضرا طوال الفترة الانتقالية المؤودة، وأسباب اخري جاءت نتيجة الخوف من الخروج من المشهد الذي غلت فيه الأسلحة المتطورة للجيش والدعم السريع .

الدعم السريع ولعنة الفاشر: دفعت التكتيكات العسكرية للجيش بالدعم السريع إلى الانسحاب من الخرطوم، ثم إلى حصار الفاشر ومحاولة السيطرة عليها بعد ثلاث سنوات من الحرب، حيث تجلت تكتيكات الجيش بصورة أوضح، إذ هدفت إلى منع الدعم السريع من التقدم مجددًا نحو الوسط أو الشمال بسرعة، عبر استغلال القوة البشرية والخبرة القتالية المتراكمة لبعض الحركات المسلحة على مدى عقدين، وتحويل مواقفها إلى القتال المباشر.، تمكن الجيش من السيطرة على إدارة الحالة عبر إطالة أمدها إلى ما يقارب أعلى معدلات صد الهجمات في الحروب الحديثة، والذي شارف على 300 محاولة، وذلك من خلال التحكم في عمليات الإنزال العسكري وإخلاء الجرحى. من جانب آخر عمل علي توظيف الصراعات بين قادة الدعم السريع، مستندًا إلى معرفته القديمة بهم، وإلى طبيعة الصراعات الداخلية القائمة على الأسبقية في سلك المليشيات والأعمار والمصالح والثروات، إطالة أمد القتال قاد الي تنامي نشاط اقتصاد الحرب من قبل القادة، وهو في تقديري احد الاسباب التي عزز انتقالها بعضهم من معسكر الدعم السريع والانضمام إلى الجيش،و يعني ايضا أن الجيش لا يزال يحتفظ بعلاقات قديمة داخل صفوف الدعم السريع، أو على الأقل يمتلك القدرة على استثمارها في التوقيت المناسب.
ماذا يمكن أن يحدث:التناقضات التي تحملها حرب أبريل السودانية داخل الطرفين تطرح سؤالًا مهمًا حول موقف القادة المنشقين، ومدى القبول الذي قد يجدونه لدى الطرف الآخر، في تقديري، فإن هذه التحولات ليست سوى جزء من مشهد استمرار الحرب، لكنها لا تؤثر على الوضع القانوني المرتبط بمبدأ المسؤولية في القانون الدولي الإنساني، الذي يقوم على عدم سقوط الانتهاكات بالتقادم، وعدم ارتباط العدالة بمواقف الدول بقدر ارتباطها بمبدأ عالمية الحقوق واحترامها، إضافة إلى ذلك، فإن هذه التحولات قد تُخفف العبء الأخلاقي والقانوني عن الدعم السريع، عبر نقل مسؤولية المحاسبة إلى أولئك المنضمين حديثًا، أو عبر منحهم حصانات تؤدي إلى الإفلات من العقاب، بما يعيد تحميل الجيش جانبًا من المسؤولية.
كما أن هذه المستجدات قد ستثير موجات من السخط داخل بعض الأوساط العسكرية. فعلى سبيل المثال، فإن الضباط والجنود المنحدرين من مدينة بارا بشمال كردفان لن ينسوا ما حدث لأهلهم وذويهم على يد قوات الدعم السريع بقيادة «السافنا»، ما يجعل فرص التعايش والتعاون بينهم شبه متوترة.، وقد ثبت ذلك بالفعل في استمرار المواقف الغاضبة تجاه أبو عاقلة كيكل، بسبب ما نُسب إليه من انتهاكات بولاية الجزيرة خلال وجوده ضمن صفوف الدعم السريع قبل انضمامه إلى الجيش.، مما يجعل تكرار هذا السيناريو في الجزيرة ودارفور يفتح الباب أمام تساؤلات أكبر حول ما يمكن أن تشهده كردفان والنيل الأزرق خلال المرحلة المقبلة.
الخلاصة: إدارة الحرب بهذه الطريقة التي يظهر فيها قائد ثاني الدعم السريع عبدالرحيم دلقو كمركز وحيد للقيادة الميدانية، سيقود الي تطورات كثيرة لانه من غير المنطقي أن ينجح فرد في القيام بكل هذا المجهود ليكسب الحرب،بالمقابل فان استقبال الجيش للمنشقين يمثل عامل سالب التأثير علي بنيته فالاعتماد علي نظرية الغاية تبرر جربتها الحركة الاسلامية السودانية خلال ٣٠ عاما وفشلت عبرها في الاحتفاظ بالسلطة، اذن الخلاصة المشهد يمضي نحو استمرار للقتال لكن بنسق قد يتحول الي انزلاقات عرقية تهدد عشم ما تبقي نحو فكرة الدولة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات