الأربعاء, يونيو 17, 2026
الرئيسيةمقالاتالوطن للاغنياء والوطنية للفقراء

الوطن للاغنياء والوطنية للفقراء

بقلم عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان

الوطن للاغنياء والوطنية للفقراء

ليست مجرد عبارة عابرة تقال في لحظة غضب بل هي وصف موجع لواقع يعيشه ملايين السودانيين كل يوم وهي جملة تختصر المسافة الشاسعة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون سوى الصبر وبين من يصنعون القرارات من خلف الجدران العالية ومن يدفعون ثمن تلك القرارات من دمائهم ومستقبل اطفالهم

في السودان اليوم لا يحتاج الانسان إلى كثير من الوقت حتى يرى حجم المأساة يكفي أن ينظر إلى وجه أم نزحت من بيتها وهي تحمل طفلها الجائع أو إلى شيخ فقد دواءه أو إلى طالب ضاعت سنوات عمره بين الحرب والنزوح والخوف حتى يدرك أن الوطن لم يعد يتساوى فيه الجميع كما ينبغي

هناك ملايين من السودانيين يعيشون أياما لا تشبه الحياة الجوع يطاردهم في الصباح والخوف يرافقهم في المساء والمجهول ينتظرهم عند كل منعطف لم يعد السؤال ماذا سنأكل غدا بل أصبح هل سنجد ما يبقينا أحياء حتى الغد

في معسكرات النزوح وفي أطراف المدن وفي القرى المنسية يجلس أطفال لم يرتكبوا ذنبا سوى أنهم ولدوا في زمن الحرب ينظرون إلى العالم بعيون أنهكها الحرمان بعضهم فقد بيته وبعضهم فقد والده وبعضهم فقد مستقبله قبل أن يبدأه أصلا

لم يعد الفقر مجرد قلة مال بل أصبح حالة كاملة من العجز والخذلان والعذاب أصبح الفقير عاجزا عن إطعام أسرته وعاجزا عن علاج أطفاله وعاجزا عن تعليمهم وعاجزا حتى عن حماية ذكرياته التي تركها خلفه عندما أجبر على الهروب من منزله

هناك من ناموا تحت أسقف من الإسمنت وتحولوا إلى النوم تحت أغطية من النايلون وهناك من كانوا يحلمون بمستقبل أفضل فأصبح أقصى أحلامهم الحصول على وجبة واحدة أو جرعة دواء أو مكان آمن يقضون فيه الليل

وفي الوقت الذي يعيش فيه ملايين السودانيين هذه المأساة القاسية هناك فئة أخرى تبدو وكأنها تعيش في عالم مختلف تماما فبينما يهرب الفقراء من الرصاص يهرب الأثرياء إلى المطارات وبينما يفترش النازحون الأرض يفترش أصحاب النفوذ الفنادق الفاخرة وبينما يبحث المواطن البسيط عن الماء والغذاء والعلاج يبحث تجار الحرب عن مزيد من الأرباح

إن أكثر ما يوجع في هذه المأساة ليس الحرب وحدها بل الشعور العميق بعدم العدالة فالفقراء هم الذين يتحملون أعباء الحرب كاملة وهم الذين يفقدون أبناءهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبلهم بينما يواصل آخرون جمع الثروات وتوسيع النفوذ والاستمتاع بحياة الترف والرفاهية بعيدا عن أصوات القصف وصور الضحايا

تجار الدين والدم لا يرون الحرب كما يراها الفقراء بالنسبة لهم قد تكون الحرب صفقة رابحة أو وسيلة للنفوذ أو طريقا لمزيد من الثروة أما بالنسبة للأمهات فهي فاجعة يومية وبالنسبة للأطفال فهي سرقة للعمر وبالنسبة للمجتمع فهي نزيف لا يتوقف

هؤلاء الذين يتحدثون كثيرا عن التضحية لا يرسلون أبناءهم إلى ساحات الخطر وهؤلاء الذين يرفعون الشعارات الكبيرة لا يقفون في صفوف الخبز ولا ينتظرون أمام المستشفيات المغلقة ولا يحملون أطفالهم بحثا عن جرعة دواء أو لقمة طعام

أما الفقير السوداني فهو الذي يدفع الثمن كاملا يدفعه من صحته ومن عمره ومن أحلامه ومن مستقبل أبنائه يدفعه وهو صامت أحيانا ومكسور أحيانا أخرى لكنه يواصل الاحتمال لأنه لا يملك خيارا آخر

لقد تحولت الوطنية عند كثير من الفقراء إلى عبء ثقيل يحملونه وحدهم فهم الذين بقوا عندما غادر الآخرون وهم الذين صبروا عندما فقدوا كل شيء وهم الذين ظلوا يؤمنون بالسودان رغم أن السودان لم يمنحهم ما يكفي من الأمان أو العدالة أو الكرامة

إن أخطر ما تخلفه الحروب ليس الدمار المادي وحده بل الدمار الإنساني حين يكبر الأطفال في المخيمات بدل المدارس وحين تصبح الخيمة بديلا للمنزل وحين يتحول الحلم إلى رفاهية لا يستطيع الناس الوصول إليها

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات ولا إلى مزيد من الخطب الرنانة بل يحتاج إلى عدالة حقيقية يشعر بها الجائع قبل الشبعان والنازح قبل المسؤول والمريض قبل صاحب النفوذ

الوطن الحقيقي ليس الأرض فقط بل الإنسان والوطن الحقيقي هو الطفل الذي يجد مدرسة والمريض الذي يجد علاجا والأم التي تجد الأمان والأسرة التي تجد سقفا يحميها من الخوف والجوع والتشرد

وسيظل الضمير الإنساني يطرح السؤال المؤلم إلى متى يبقى الوطن للاغنياء وتبقى الوطنية للفقراء إلى متى يبقى من يملكون أقل شيء هم الأكثر دفعا للثمن ومن يملكون كل شيء هم الأقل تحملا للمسؤولية

إن السودان يستحق مستقبلا مختلفا يستحق وطنا يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات وتوزع فيه التضحيات كما توزع الفرص ويشعر فيه الفقير كما الغني أن هذا الوطن وطنه حقا وليس مجرد مكان يدفع فيه ثمن أخطاء الآخرين

فلا يمكن لأي وطن أن ينهض على أكتاف الجوعى ولا يمكن لأي أمة أن تستمر إذا كان الفقراء وحدهم هم من يدفعون فاتورة الوطنية بينما ينعم الآخرون بثمارها

الوطن للجميع أو لا يكون وطنا كما ينبغي والوطنية مسؤولية الجميع أو تتحول إلى ظلم جديد يضاف إلى قائمة طويلة من الآلام التي أثقلت كاهل هذا الشعب الصابر

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات