ذوالنون سليمان، وحدة الشؤون الأفريقية – مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف
تقديم:
أقرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون “الانخراط الأميركي في السلام في السودان”، الذي يهدف إلى تعزيز أدوات الضغط الأميركية على أطراف الحرب السودانية من خلال فرض عقوبات على المتورطين في جرائم الحرب وعرقلة المساعدات الإنسانية، والنظر في إمكانية إدراج قوات الدعم السريع أو غيرها من أطراف النزاع على قوائم الإرهاب الأميركية. كما يطالب المشروع الإدارة الأميركية بوضع استراتيجية شاملة للتعامل مع الأزمة السودانية وتعزيز دور المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان. ورغم أهمية هذه الخطوة سياسياً، فإن المشروع لا يزال في مراحله التشريعية الأولى، إذ يتعين أن يمر بمجلسي النواب والشيوخ قبل أن يصبح قانوناً نافذاً.
في المعطيات:
يتضمن مشروع القانون مجموعة من الإجراءات ذات الطابع العقابي والسياسي، من أبرزها:
مطالبة الإدارة الأميركية بتحديد الأفراد والكيانات المتورطة في جرائم الحرب أو الإبادة الجماعية أو عرقلة المساعدات الإنسانية، وفرض عقوبات عليهم خلال مدد زمنية محددة.
فرض عقوبات على قيادات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وأفراد من عائلاتهم، تشمل تجميد الأصول وحظر التأشيرات والقيود المالية.
إجراء مراجعة رسمية لتحديد ما إذا كانت قوات الدعم السريع أو أي أطراف أخرى تستوفي معايير الإدراج على قوائم الإرهاب الأميركية.
مطالبة الإدارة بتحديد الجهات الأجنبية المنتهكة لحظر السلاح المفروض على دارفور، والعمل على توسيع نطاق الحظر ليشمل السودان بأكمله.
إلزام الإدارة الأميركية بتقديم استراتيجية شاملة تجاه السودان تتناول وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، ودعم عملية سياسية تقود إلى حكم مدني.
تعزيز دور المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان من خلال تمديد ولايته من سنتين إلى خمس سنوات، وتخصيص تمويل سنوي لمكتبه.
في المقابل، حذفت اللجنة بندين مهمين من النسخة النهائية للمشروع؛ الأول يتعلق بالضغط داخل الأمم المتحدة لإنشاء آليات إضافية لحماية المدنيين وتوسيع حظر السلاح، والثاني يدعو إلى نزع الشرعية عن تمثيل الحكومة السودانية الحالية في المؤسسات الدولية إلى حين الانتقال إلى حكم مدني.
التحليل:
يعكس المشروع اتجاهاً متنامياً داخل الكونغرس الأميركي، ولا سيما في الأوساط الديمقراطية، نحو زيادة الانخراط في الأزمة السودانية بعد تراجع الاهتمام الدولي بالملف خلال العامين الماضيين. كما يعكس قناعة متزايدة بأن أدوات الضغط التقليدية لم تنجح في دفع أطراف الصراع نحو تسوية سياسية أو تحسين الأوضاع الإنسانية.
يتمثل البعد الأبرز في المشروع في الدعوة إلى مراجعة إمكانية تصنيف قوات الدعم السريع تنظيماً إرهابياً، وهو تطور يحمل تداعيات سياسية وأمنية تتجاوز مجرد فرض عقوبات إضافية. فإذا تم اعتماد هذا التصنيف مستقبلاً، فإنه سيؤدي إلى استهداف الشبكات الاقتصادية والمالية المرتبطة بالدعم السريع، وسيزيد الضغوط على الأطراف الإقليمية أو الدولية المتهمة بتقديم دعم مباشر أو غير مباشر لها، نتيجة المخاطر القانونية والمالية المترتبة على التعامل مع كيان مصنف إرهابياً.
قد يؤدي توسيع استخدام أدوات مكافحة الإرهاب في إدارة النزاع السوداني إلى تعقيد المسارات التفاوضية مستقبلاً، إذ تصبح العودة إلى طاولة المفاوضات أكثر صعوبة مع أطراف تحمل صفة “إرهابية” وفق التصنيفات الأميركية. كما قد يدفع ذلك بعض القوى العسكرية إلى تبني مواقف أكثر تشدداً، انطلاقاً من قناعة بأن فرص التسوية السياسية تتراجع لمصلحة منطق الحسم العسكري.
قد يخلق إدراج أحد أطراف الصراع على قوائم الإرهاب تحديات إضافية أمام العمل الإنساني، خصوصاً في المناطق الواقعة تحت سيطرته، نظراً للقيود القانونية والمالية التي ترافق التعامل مع الكيانات المصنفة إرهابياً، وهو ما قد ينعكس سلباً على وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.
تكشف التعديلات التي أجرتها اللجنة على المشروع عن رغبة في تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة السودانية أو تبني خطوات يمكن أن تفسر باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل الشرعية السياسية في السودان من الخارج. فحذف البنود المتعلقة بنزع الشرعية الدولية عن الحكومة والضغط عبر الأمم المتحدة يشير إلى توجه أكثر حذراً يركز على العقوبات والضغوط السياسية دون الانتقال إلى مقاربة تدخلية أوسع.
يمكن النظر إلى المشروع باعتباره محاولة من الكونغرس لإعادة صياغة الإطار السياسي الأميركي تجاه السودان على المدى الطويل أكثر من كونه أداة فورية لتغيير موازين القوى على الأرض. فتمديد ولاية المبعوث الخاص وتخصيص تمويل دائم لمكتبه يعكسان سعياً لإضفاء طابع مؤسسي ومستدام على الانخراط الأميركي في الملف السوداني.
تبقى قدرة المشروع على التحول إلى سياسة نافذة محدودة في المدى المنظور. فالمبادرة جاءت أساساً من أعضاء في الحزب الديمقراطي، بينما تعتمد إدارة الرئيس دونالد ترامب على أدوات تنفيذية مستقلة تشمل العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة، وإجراءات وزارة الخارجية، والتحركات الدبلوماسية ضمن الأطر الإقليمية والدولية القائمة. كما أن المشروع لا يزال في بداية مساره التشريعي، إذ يتعين إقراره في مجلس النواب ثم مجلس الشيوخ قبل إحالته إلى الرئيس للتوقيع عليه. وفي ظل الانشغالات السياسية الداخلية والاستحقاقات الانتخابية المقبلة، قد يستغرق إقراره وقتاً طويلاً، وربما يمتد إلى دورة تشريعية جديدة بما يفرض إعادة تقديمه ومناقشته من جديد.
الخلاصات:
يمثل مشروع “الانخراط الأميركي في السلام في السودان” مؤشراً على تصاعد الضغوط داخل الكونغرس الأميركي لاعتماد سياسة أكثر صرامة تجاه أطراف الحرب السودانية، ويعكس توجهاً نحو توسيع استخدام العقوبات وأدوات مكافحة الإرهاب في إدارة الصراع.
يشكل بند مراجعة إمكانية تصنيف قوات الدعم السريع تنظيماً إرهابياً التطور الأكثر أهمية في المشروع، لما يحمله من تداعيات على شبكات التمويل والدعم الخارجي، ولما قد يترتب عليه من تعقيدات إضافية أمام جهود الوساطة والتفاوض.
تشير التعديلات التي أُدخلت على المشروع إلى وجود حرص داخل الكونغرس على تجنب مقاربة تدخلية مباشرة تستهدف إعادة تشكيل الشرعية السياسية في السودان، والتركيز بدلاً من ذلك على أدوات الضغط السياسي والاقتصادي.
رغم الأهمية السياسية للمشروع، فإن تأثيره العملي على مسار الحرب يبقى محدوداً في المدى القريب، نظراً لطول المسار التشريعي، واعتماد الإدارة الأميركية بصورة أساسية على أدواتها التنفيذية والدبلوماسية القائمة.
من المرجح أن يساهم المشروع في زيادة الضغوط السياسية والمالية على أطراف النزاع، لكنه لا يمثل في حد ذاته مدخلاً مباشراً لإنهاء الحرب أو تسريع التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في السودان.
يعكس المشروع أيضاً محاولة من الكونغرس الأميركي، ولا سيما من قبل الأوساط الديمقراطية، للحفاظ على حضور الملف السوداني ضمن أولويات السياسة الخارجية الأميركية ومنع تراجعه في ظل تعدد الأزمات الدولية والإقليمية. ومن هذه الزاوية، فإن أهمية المشروع تكمن في دلالاته السياسية والمؤسسية طويلة المدى بقدر ما تكمن في مضامينه العقابية المباشرة، حتى وإن لم يؤدِّ في المدى القريب إلى تحول جوهري في مقاربة إدارة ترامب للأزمة السودانية>

