الأربعاء, يونيو 17, 2026
الرئيسيةمقالاتالجميل الفاضل يكتب: السودان يسبح عاريا في بحر ماء الغيب؟!

الجميل الفاضل يكتب: السودان يسبح عاريا في بحر ماء الغيب؟!

فيما يتصاعد اليوم دخان الأُبيِّضِ، إلى عنان السماء كأنه سؤالٌ طويلٌ بلا جواب، تناجي “اماني الطويل” أمريكا، وتنام قرى أخري مجاوره، على وجعها كما تنام الأرامل على آخر الذكريات، بينما يظن كثيرون أن السودان قد ضلَّ الطريق.
لكن أهل البصائر يعلمون أن الطريق لا يضيع أبداً، لكنه ربما يختفي أحياناً.
كما يختفي النهر تحت الرمال، وهو ما يزال نهراً.
وكما تختبئ البذرة في ظلمة التراب، وهي تحمل في أحشائها غابةً كاملة.
علي هيئة ما جري به مخيال “ود المكي” الذي قال: تختبيء الصدفة فى منعطف الطريق، والعسل البريئ فى الرحيق، وطائر الفينيق فى الحريق، يختبىء الحريق فى الشرر، يختبىء البستان فى الوردة، والغابة في الشجر.
عموما فالسودان اليوم لا يقبع خارج الطقس تماماً.
لكنه يكاد يكون واقفاً عند مفترق الطرق ذاته الذي وقف عنده نبي الله موسى يوم أن صحب الخَضِر عليه السلام.
نكاد ننظر من هنا إلى سفينة المساكين وهي تُخرق.
ونسمع صوت تشقق الخشب في مدننا التي ضربتها الحرب في مقتل.
في الخرطوم، وفي الجزيرة، وفي دارفور، وفي كردفان.
وفي كل موضعٍ طافت به نار الفتنة فتركت على الجدران سوادها، وعلى الأرواح ندوبها.
لنصرخ كما صرخ موسى:
أخرقتها لتغرق أهلها؟
ولا ننتبه الي أن السؤال نفسه قد يكون حجاباً وليس طوق نجاة.
لأننا ما زلنا ننظر إلى الخرق، ولا نرى الملك.
وننظر إلى الألم، ولا نراه باب شفاء من ألم أشد إيلاما.
وننظر إلى الحريق، ولا نرى يد القدرة وهي تنبت من تحت رماده غابةٍ جديدة.
يا لهذا البلد العجيب، كم حاول أن ينجو بأخشابٍ بالية نخرتها الأرضة من داخلها.
وكم حمل فوق ظهره أصناماً قديمةً ماتت أرواحها وبقيت أجسادها تتجول كالاشباح بين الناس.
هي أصنام القبيلة التي تحولت من رحمٍ للتعارف إلى سجنٍ للروح.
وأصنام الأيديولوجيا التي تحولت من مجرد فكرةٍ إلى معبود.
وأصنام السلطة حين توهمت انها هي هذا الوطن بأسره.
وأصنام الكراهية حين تتحدث باسم عدالة مزيفة عن وجوه اليفة وأخري غريبة لا تشبه بعضها بعض.
فمتي جثمت مثل هذه الأصنام علي صدر بلاد، جاء قدر الله يحمل هكذا معوله الكبير.
لترتجف الأرض، وتتشقق الجدر، وتتناثر الحجارة.
حتي يظن الناس أن الخراب قد بدأ.
وما علموا أن الهدم قد يكون في بعض الأحيان هو أول فرصة لإعادة البناء.
علي أية حال، فإن السودان الآن في بئر يوسف، لا في قصر العزيز.
وفي البئر لا تُرى النجوم،
ولا تُرى النهايات، ولا يُسمع إلا صدى الوحدة.
لكن القرآن الكريم لم يرو قصة يوسف ليخبرنا عن البئر فقط.
بل ليخبرنا عن الحافظ الذي كان مع يوسف في ذات البئر.
إنه الله الذي حول الجبّ إلى جسر، والظلمة إلى رحم،
والخيانة إلى معراج، والفقد إلى اصطفاء.
المهم فها هو السودان مستلقٍ في قاع بئرٍ عميقة كبئر يوسف.
فيما قوافل انقاذه لا تزال تتحرك حوله في الغيب، والأقدار لا تزال تُنسج له ثوب ملك في الخفاء.
عموما فالعناية الكبري لم تغادر هذا المكان قيد أنملة.
بل أكاد أرى نوحاً هذه الأيام يعبر شوارع السودان الموجوعة.
لا يحمل مطرقةً هذه المرة، بل يحمل حلماً.
يبني سفينته من بقايا الأمل المتناثرة في قلوب شبابنا، يحيك من دموع أمهاتهم، ومن صبر النازحين منهم، ومن دعوات صالحين تهدر بجوف الليل فلكه للغد.
يبني، ويبني، ويبني.
بينما يسخر الساخرون،
كما سخر قوم نوح.
لأن أهل الغرق لا يفهمون قصة سفن تنشأ في البر.
أما السودان الآن، فأني أراه في هذه اللحظة يونسياً أكثر من أي وقت مضى.
كأنه مستقرٌّ بجوف حوتٍ عظيم اسمه التاريخ.
حوتٌ من الدم، وحوتٌ من الخيبات، وحوتٌ من أخطاء النخب التي أورثت الأجيال جبالاً من الأحزان.
لكن الحوت ـ كما علمنا القرآن ـ ليس نهاية الحكاية.
إنه خلوة، والخلوة ليست موتاً.
بل معملٌ إلهيٌّ لإعادة تشكيل الروح.
وهناك، في أقصى أعماق الظلمات، حين تسقط كل الأقنعة، وحين تتكسر كل الأوهام.
وحين يدرك الإنسان أنه لا يملك أملاً في غير الله، يولد النور.
وفي الكهف يقف الخَضِر صامتاً.
لا يشرح، لا يبرر، لا يدافع عن الأقدار.
يترك الأحداث حتي تنضج لتتكلم عن نفسها بنفسها.
وكأن المدبر يقول لأهل السودان اليوم:
لا تتعجلوا تأويل هذا المشهد.
فأنتم ما زلتم في منتصف الطريق، ولستم عند آخره.
ما زلتم ترون الجدار وهو يُهدم.
ولم تروا الكنز يولد.
ما زلتم ترون السفينة وهي تُخرق.
ولم ترونها تنجو من ملك غاصب.
فما زلتم ترون الليل.
ولم تروا الفجر وهو يجمع خيوطه خلف الأفق.
لقد دخل السودان أتون الحديد الذي تحدثت عنه السماء.
والحديد لا يصبح سيفاً إلا بعد تعرضه للنار.
والذهب لا يصبح ذهباً إلا بعد صهره.
والأمم لا تصبح أمماً خالدة إلا بعد أن تعبر أودية الابتلاء.
لهذا لا أرى في هذا الوجع موتاً، بل مخاضاً.
ولا أرى في هذا الشتات ضياعاً.
بل إعادة ترتيبٍ ملكوتية لخرائط الروح.
ولا أرى في هذا الانكسار سقوطاً.
بل هو سجدةً طويلة لأمةٍ يعدّها الله بقيامٍ مختلف.
وسوف يأتي يومٌ ـ وما أكثر الأيام المخبأة بخزائن الغيب ـ ينظر فيه أبناء السودان إلى هذه المرحلة كما نظر يوسف إلى البئر.
وكما نظر موسى إلى السفينة.
وكما نظر يونس إلى الحوت.
ويقولون: هنا كنا نظن أن كل شيء انتهى.
وهنا بالذات، كان كل شيء يبدأ.
فإن قدر السودان ليس قدر الرخاء وحده.
بل هو قدر العواصف أيضاً.
قدر الآبار، وقدر الحيتان،
وقدر التيه، وقدر السفن المثقوبة.
فإن أقدار الفجر تولد دائماً من رحم أكثر الليالي حلكة وسواداً.
ولذلك فإنني أمشي مطمئناً وسط هذا الركام.
لا لأنني أفهم كل شيء.
بل لأني تعلمت من الخَضِر أن وراء كل قدرٍ وجهاً من الرحمة، وان لم يحن وقت ظهوره بعد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات