تقرير :جعفر السبكي
أعاد الجدل الإقليمي والدولي، الحرب السودانية إلى الواجهة مجدداً، وذلك بعد تصريحات أثارها الباحث الإسرائيلي، د.إيدي كوهين؛ متسائلاً فيها عن أسباب “الصمت” تجاه ما وصفه بالدول المستفيدة، من استمرار النزاع في السودان، وعلى رأسها مصر، معتبراً أن القاهرة تمتلك القدرة على الضغط على الجيش السوداني؛ وقيادة بورتسودان، من أجل وقف الحرب إذا أرادت ذلك.
وقال: كوهين في منشور أثار تفاعلاً واسعاً، على منصات التواصل الاجتماعي:
“ليش ما حدا بيتكلم عن الدول المستفيدة، من استمرار الحرب في السودان؟ معقولة مصر ما تقدر تضغط على جيش البرهان، وحكومة بورتسودان، لوقف الحرب؟”، مضيفاً أن هناك “دولاً عربية لا تريد للحرب أن تتوقف بسبب علاقتها بالجيش، والإسلاميين”، وفق تعبيره.

اتهامات متكررة لمصر بدعم الجيش السوداني:
تأتي هذه التصريحات، في سياق اتهامات متكررة ظلت تطرحها قوات الدعم السريع، وعدداً من السياسيين والإعلاميين السودانيين، بشأن ما يعتبرونه دعماً مصرياً مباشراً للجيش السوداني، بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان.
ويرى منتقدو الدور المصري، أن القاهرة توفر دعماً سياسياً، ولوجستياً، وعسكرياً للجيش السوداني، انطلاقاً من حرصها على بقاء المؤسسة العسكرية في صدارة المشهد السياسي السوداني، باعتبارها حليفاً استراتيجياً ينسجم مع الرؤية المصرية، المتعلقة بأمن البحر الأحمر، وملف سد النهضة الإثيوبي واستقرار الحدود الجنوبية لمصر.
كما يعتقد بعض المراقبين، أن مصر تنظر بقلق إلى أي تحولات سياسية قد تؤدي؛ إلى صعود قوى مدنية أو عسكرية؛ لا تنسجم رؤيتها مع توجهاتها الإقليمية، خاصةً في ظل التعقيدات الأمنية والجيوسياسية؛ التي تشهدها المنطقة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
حميدتي يتهم القاهرة بدعم العمليات العسكرية:
وكان قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الشهير ب “حميدتي” قد وجّه في وقتٍ سابق اتهامات مباشرة، إلى مصر بدعم الجيش السوداني، قائلاً إن القاهرة زودت الجيش بطائرات حربية، يقودها طيارون مصريون لتنفيذ غارات على مواقع تابعة لقواته.
كما أشار حميدتي، إلى أن الجيش السوداني يتلقى دعماً عبر طائرات مسيّرة من جهاتٍ خارجية؛ معززاً قوله؛ إنه يعرفها لكنه تحفظ؛ عن الكشف عنها بصورةٍ مباشرة.
وتعد هذه الاتهامات من أخطر التصريحات؛ التي طالت الدور المصري منذ بداية الحرب، إلا أن القاهرة نفت مراراً وتكراراً أي تدخل عسكري، مباشراً لها في النزاع السوداني، السوداني مؤكدة؛ تمسكها بمبدأ كما تسميه، دعم وحدة السودان والحفاظ على مؤسساته الوطنية.
اتهامات بعرقلة مسارات السلام:
وفي المقابل، تتهم أطراف سياسية سودانية، مصر بلعب دور غير معلن في إبطاء أو عرقلة؛ بعض مسارات التفاوض التي استضافتها عواصم إقليمية ودولية، مثل محادثات جدة، والمنامة، وجنيف، بزعم أنها لا تضمن لها استمرار نفوذ “المؤسسة العسكرية” السودانية في السلطة وتقصد حليفها الجيش.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن القاهرة، تتحفظ على أي تسوية سياسية قد تؤدي إلى إعادة هيكلة المشهد السوداني، بصورة تقلص نفوذ الجيش الذي تتحكم في أمره تاريخياً، أو تسمح بصعود قوى سياسية، تعتبرها غير متوافقة مع مصالحها الاستراتيجية.
لكن مراقبين آخرين يعتبرون هذه الاتهامات جزءاً؛ من الحرب الإعلامية والسياسية، المتبادلة بين أطراف النزاع السوداني، مؤكدين أن الأزمة السودانية باتت متشابكة بصورة، تجعل من الصعب تحميل طرف إقليمي واحد مسؤولية استمرارها.

الموقف المصري الرسمي:
وعلى المستوى الرسمي، تواصل مصر التأكيد، على رفضها لأي تدخلات كما تسميها “خارجية” تؤدي إلى تأجيج النزاع السوداني أو تهدد وحدة “البلاد” وسلامة أراضيها قاصدة السودان.
وشددت القاهرة في أكثر من مناسبةٍ على أهمية، الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، والعمل على الوصول إلى هدنة إنسانية؛ تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، بما يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لعملية سياسية شاملة “بملكية سودانية خالصة”.
كما تؤكد مصر أن استقرار السودان يمثل جزءاً أساسياً من أمنها القومي، خاصة في ظل الامتداد الجغرافي والتداخل السكاني والتحديات الأمنية المشتركة بين البلدين، رغم أن التداخل السكاني والتحديات، يشتراك فيها جيران السودان الست، عدا مصر وهم:
ليبيا، تشاد، أفريقيا الوسطى، جمهورية جنوب السودان، وأثيوبيا، واريتريا،
صراع إقليمي معقد
ويرى محللون أن الحرب السودانية، تجاوزت منذ وقتٍ مبكر كونها نزاعاً داخلياً، لتتحول إلى ساحة صراع، إقليمي ودولي تتداخل فيها المصالح الأمنية، والاقتصادية، والسياسية، لعدة دول .
كما تشير تقديرات سياسية؛ إلى أن تعدد مراكز الدعم الإقليمي والدولي، لطرفي النزاع أسهم في إطالة أمد الحرب، وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، وسط مخاوف من تحول السودان؛ إلى بؤرة صراع مفتوح في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
كما تحذر منظمات دولية؛ من أن استمرار الحرب يفاقم واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع تصاعد أعداد الضحايا والنازحين، وانهيار الخدمات الأساسية، واتساع رقعة المجاعة في عدة مناطق سودانية.
بين الاتهامات والواقع السياسي:
ورغم كثافة الاتهامات المتبادلة بين أطراف الحرب والقوى الإقليمية، لا تزال الجهود الدولية تواجه صعوبات كبيرة، في دفع الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع طرفي النزاع، نحو اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، والانخراط في عملية سياسية مستقرة.
ويعتقد مراقبون أن أي تسوية حقيقية، للأزمة السودانية لن تكون ممكنة؛ دون توافق إقليمي ودولي يحد من التدخلات الخارجية، ويضغط بصورة متوازنة على الأطراف المتحاربة، للجلوس إلى طاولة المفاوضات، في ظل قناعة متزايدة بأن الحسم العسكري الكامل بات أمراً مستحيلاً في المشهد السوداني الحالي.

