إزالة السكن العشوائي في الخرطوم.. بين مبررات الولاية ومخاوف المتضررين من أبناء النوبة
اصوات السودانيين
عاد ملف إزالة السكن العشوائي في ولاية الخرطوم إلى الواجهة وسط جدل متصاعد حول طبيعة الإزالات وآثارها على المواطنين خصوصاً في المناطق التي يقطنها عدد كبير من أبناء جبال النوبة.
وتقول سلطات ولاية الخرطوم إن حملات الإزالة تستهدف التعديات والسكن العشوائي والمباني المقامة خارج المخططات المعتمدة وتأتي في إطار تنظيم الأراضي ومنع التعديات ومعالجة ما تعتبره الولاية مهددات أمنية ومخالفات عمرانية.
والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة دافع عن الإجراءات التي تنفذها الولاية مؤكداً أن التعامل مع السكن العشوائي يأتي ضمن سياسة عامة لتنظيم العاصمة وحماية الأراضي ومنع عودة التعديات. كما أعلنت الجهات المختصة بالولاية عن إزالة عشرات الآلاف من المواقع العشوائية خلال الفترة الماضية.
*ماذا قال الوالي بشأن أبناء النوبة؟*
في حديثه حول المخاوف المتعلقة بتأثر أبناء جبال النوبة بالإزالات نفى الوالي أن تكون الإجراءات موجهة ضد مجموعة إثنية بعينها مشيراً إلى أن معيار الولاية في الإزالة يتعلق بوضع السكن والأرض من الناحية القانونية والتخطيطية وليس بانتماء السكان القبلي أو الجهوي.
ويكتسب هذا التصريح أهمية خاصة بالنظر إلى التركيبة السكانية لبعض المناطق التي شملتها حملات الإزالة، حيث توجد تجمعات كبيرة لأبناء جبال النوبة ومن بينها مناطق عشوائية نشأت تاريخياً نتيجة موجات النزوح والحروب في جنوب كردفان.
*المتضررون.. القضية تتجاوز وصف العشوائي*
في المقابل يرى مواطنون ومتضررون أن وصف المناطق بأنها «عشوائية» لا يعكس وحده تعقيدات واقعهم، إذ إن بعض الأسر أقامت في هذه المناطق لسنوات طويلة، وبنت مساكنها ومصادر رزقها وحياتها الاجتماعية فيها.
وتشير تقارير صحفية إلى أن حملات الإزالة في الخرطوم طالت آلاف المنازل، بعضها في مناطق مأهولة منذ عقود، الأمر الذي أثار اعتراضات من السكان ومخاوف بشأن مصير الأسر التي فقدت مساكنها.
وفي مناطق تضم أعداداً كبيرة من أبناء جبال النوبة، تصبح المسألة أكثر حساسية، ليس فقط بسبب فقدان السكن، وإنما بسبب ارتباط هذه التجمعات بتاريخ طويل من النزوح والاستقرار القسري على أطراف العاصمة.
*بين القانون وحق السكن*
لا يدور الجدل فقط حول حق الولاية في تنظيم الأراضي وإزالة التعديات وإنما حول كيفية تنفيذ الإزالة، والبدائل المتاحة للأسر، وضمان عدم ترك المواطنين في العراء.
وفي هذا السياق اتجهت الولاية في بعض الحالات إلى طرح بدائل سكنية من بينها توزيع قطع أراضٍ على مستحقين من أصحاب السكن العشوائي إذ شهدت منطقة الأندلس توزيع آلاف القطع السكنية على مستحقين من منطقة مانديلا.
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: هل تصل هذه البدائل إلى جميع المتضررين؟ وهل تسبق الإزالة أم تأتي بعدها؟
*هل الإزالة تستهدف النوبة؟*
حتى الآن، لا يكفي تأثر نسبة كبيرة من أبناء جبال النوبة في بعض المناطق وحده لإثبات أن الإزالات تستهدفهم على أساس إثني.
لكن في المقابل فإن التركيبة السكانية للمناطق المتأثرة تجعل من الضروري التعامل مع الملف بحساسية عالية وضمان أن تكون المعايير قانونية وشفافة وموحدة على الجميع، مع توفير آليات واضحة للتظلم والحصر والتعويض أو البدائل السكنية.
فالعدالة في مثل هذه الملفات لا تقاس فقط بعدد المنازل التي أُزيلت وإنما أيضاً بما إذا كان المواطن الذي فقد منزله قد حصل على إجراء قانوني واضح وبديل عادل، وفرصة حقيقية للاعتراض والتظلم.
وبينما تؤكد حكومة ولاية الخرطوم مضيها في إزالة السكن العشوائي وفرض هيبة الدولة وتنظيم الأراضي، يظل التحدي الأكبر هو تحقيق ذلك من دون تحويل معالجة المخالفات العمرانية إلى أزمة إنسانية جديدة، خصوصاً في ظل الظروف التي يعيشها السودانيون بعد سنوات الحرب والنزوح.
*ويبقى السؤال الأهم:* كيف يمكن للولاية أن تنظم الخرطوم وتحمي أراضيها، وفي الوقت نفسه تضمن ألا يتحول المواطن المتضرر من الإزالة إلى نازح جديد داخل وطنه؟