تقدير موقف
ذو النون سليمان، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
يواجه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان معادلة بالغة التعقيد تجمع بين متطلبات متناقضة؛ فهو يسعى إلى توسيع دائرة علاقاته الدولية والإقليمية واكتساب شرعية خارجية في خضم حرب مستمرة مع قوات الدعم السريع تهدد وحدة البلاد، بينما يظل رهين تحكّم التيار الإسلامي في مفاصل الدولة والجيش. وقد جاء توقيع اتفاقية الإعفاء المتبادل من تأشيرات الجوازات الدبلوماسية مع أذربيجان في التاسع عشر من مايو 2026 ليُلقي الضوء على هذه المعادلة المركبة ويكشف عن أبعادها المتشعبة.
المعطيات:
الاتفاقية وسياقها المباشر:
وقّعت حكومتا السودان وأذربيجان في العاصمة الأذربيجانية باكو اتفاقيةً للإعفاء المتبادل من تأشيرات الدخول لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية، وقّعها عن الجانب السوداني وزير الخارجية والتعاون الدولي السفير محي الدين سالم، وعن الجانب الأذربيجاني وزير الخارجية جيهون بيراموف. وتبدو الاتفاقية في ظاهرها إجراءً دبلوماسياً روتينياً، غير أن توقيتها وطبيعة أطرافها وسياقها الإقليمي تستدعي قراءة أعمق.
المشهد السوداني الراهن:
يعيش السودان منذ أبريل 2023 حرباً مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع أفضت إلى انقسام جغرافي وسياسي حاد، وأزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها من أسوأ أزمات العالم. تُحكم فيها الحركة الإسلامية قبضتها على مفاصل الدولة والمؤسسة العسكرية، مستثمرةً الحرب لتعزيز نفوذها وتقديم نفسها عاملاً لا غنى عنه في معادلة البقاء السياسي للبرهان. وفي المقابل، تتصاعد الضغوط الغربية على القيادات الإسلامية السودانية، بعد تصنيف الولايات المتحدة الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابية، فيما تُلوّح دول خليجية فاعلة بربط دعمها للبرهان بشروط تشمل إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي.
المعطيات المحيطة بالاتفاقية:
تكتسب هذه الاتفاقية أبعاداً استراتيجية إضافية في ضوء جملة من المعطيات المتشابكة؛ فأذربيجان ليست طرفاً في نظام روما الأساسي ولا تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية، كما تخلو العلاقات الثنائية بين البلدين من أي معاهدة موثقة لتسليم المجرمين. وتمتلك الحركة الإسلامية السودانية صلات تاريخية بشبكات إسلامية في منطقة القوقاز، وعلى الصعيد الإقليمي، تُشير تقارير موثوقة إلى وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني على الأراضي السودانية، في سياق العلاقة التاريخية المتقلبة بين الخرطوم وطهران، التي تتأرجح بين التقارب والقطيعة وفق حسابات المصلحة والضغوط الإقليمية، مما يُضفي على هذه الاتفاقية طابعاً أيديولوجياً يتجاوز حدود التعاون الدبلوماسي المعتاد.
التحليل:
البرهان وإشكالية الشرعية الدولية:
يواجه البرهان أزمة شرعية مزدوجة؛ داخلياً بسبب استمرار الحرب وانعدام أفق سياسي واضح، وخارجياً بسبب عزلة دبلوماسية نسبية تفرضها الضغوط الغربية من أجل وقف إطلاق النار وإبعاد الإسلاميين من العملية السياسية إلى جانب تسليم قيادات النظام السابق للمحكمة الجنائية الدولية. يسعى البرهان إلى بناء شبكة علاقات بديلة توازن بين الضغوط الغربية وتوفر هامشاً من المناورة من خلال توسيع شبكة علاقاته الدولية، عبر دول لا تنتمي إلى المنظومة الغربية ولا ترتبط بمنظومة العدالة الجنائية الدولية، كرصيد استراتيجي يعزز قدرته التفاوضية وتمنحه هامشا من المناورة.
الاتفاقية بوصفها رسالة متعددة العناوين:
تحمل هذه الاتفاقية في قراءة أعمق دلالات تتجاوز مضمونها الرسمي. فهي من جهة أولى رسالة إلى دول الخليج بأنه يعمل على إيجاد مسارات لإبراز مسافة رسمية بين الخرطوم وطهران، ولعل تيسير مغادرة العناصر الإيرانية المتواجدة على الأراضي السودانية يندرج في هذا السياق. ومن جهة ثانية، تُوفر الاتفاقية لقيادات الصف الأول في الحركة الإسلامية ضمانات حركة آمنة في حال اقتضت التسويات السياسية القادمة إقصاءهم من المشهد.
حدود قدرة البرهان على المناورة:
غير أن قدرة البرهان على توسيع دائرة علاقاته تصطدم بقيود بنيوية جوهرية. فتحكّم الإسلاميين في مفاصل الدولة والجيش يجعل أي تحرك جوهري لإقصائهم مجازفة بانهيار داخلي في لحظة يحتاج فيها إلى تماسك المؤسسة العسكرية في مواجهة قوات الدعم السريع. والمجتمع الدولي يتعامل مع الخرطوم بوصفها طرفاً في نزاع مسلح وليس شريكاً موثوقاً في مشاريع التنمية والاستقرار. كما أن استمرار الحرب يُضعف قدرته التفاوضية في أي مسار للتسوية إقليمية أو دولية، إذ يظل وضعه الميداني المتقلب عاملاً يُلقي بظلاله على كل حساباته الخارجية.
قراءة في دلالة التوقيت:
جاء توقيع الاتفاقية في سياق تصاعد الحديث عن مساعي اللجنة الرباعية أو الخماسية الرامية إلى إيجاد مخرج سياسي للأزمة السودانية، ويُرجّح أن البرهان يسعى إلى تعزيز أوراقه التفاوضية قبيل أي تسوية محتملة. فتوسيع شبكة العلاقات الدولية، حتى في اتجاهات غير تقليدية كأذربيجان، يُعطي انطباعاً بأن الخرطوم ليست محاصرة دبلوماسياً وأن لديها خيارات بديلة، مما يرفع من سقف مطالبها في أي مفاوضات قادمة.
السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول، التسوية المُدارة: يقبل البرهان شروطاً عربية تقضي بإقصاء تدريجي للإسلاميين من المشهد السياسي مقابل دعم إقليمي مضمون واعتراف دولي موسّع. وتكون الاتفاقية مع أذربيجان جزءاً من منظومة ترتيبات توفر لقيادات الصف الأول مخارج آمنة، فيما يتوافق مع مساعي اللجنة الرباعية أو الخماسية.
السيناريو الثاني، التوازن المستمر: يواصل البرهان سياسة التوازن بين الإسلاميين والضغوط الخارجية، مستثمراً ورقة العلاقات الدولية المتنوعة للضغط على الإسلاميين دون قطيعة معهم، محافظاً على الوضع القائم ريثما تتضح نتائج الحرب مع قوات الدعم السريع.
السيناريو الثالث، الانزلاق نحو الانغلاق:
تتصاعد الضغوط الإسلامية وتُحكم قبضتها في حال تدهور الوضع الميداني، فيتراجع البرهان عن أي مسار إصلاحي ويُعيد الانكفاء نحو الشبكات الإسلامية بوصفها ضامناً لبقائه السياسي.
الخلاصات:
**تُمثّل اتفاقية السودان وأذربيجان مؤشراً على حركة دبلوماسية تعكس وعياً لدى البرهان بضرورة توسيع شبكة علاقاته الدولية في مواجهة الانحسار الدبلوماسي الغربي. غير أن هذه الحركة تظل محدودة الأثر ما لم تترافق مع تسوية سياسية داخلية حقيقية تُعالج إشكالية تحكّم الإسلاميين في مفاصل الدولة.
يبقى البرهان في معضلة بنيوية؛ فهو لا يستطيع الاعتراف الدولي الكامل دون إقصاء الإسلاميين، ولا يستطيع إقصاءهم دون المخاطرة بتفكك منظومة السلطة في خضم حرب مفتوحة. والاتفاقية مع أذربيجان تكشف أنه يبحث عن مخارج جانبية لهذه المعضلة بدلاً من مواجهتها مباشرة، وهو نهج قد يكسبه وقتاً لكنه لن يحل التناقض الجوهري الذي يُقيّد قدرته على بناء شرعية دولية حقيقية ومستدامة

