الرئيسيةمقالاتتجارة الرقيق في أفريقيا… التاريخ الذي يخاف البعض من مواجهته

تجارة الرقيق في أفريقيا… التاريخ الذي يخاف البعض من مواجهته

بقلم/ الأستاذ دانيال موسى علي

عندما يتحدث أفريقي عن جراح قارته، تبدأ معارك الإنكار.
وعندما يطالب أفريقي بامتلاك روايته التاريخية، يظهر من يريد أن يقرر له ماذا يتذكر وماذا ينسى.
لكن التاريخ لا يخاف من الأسئلة، ولا يحتاج إلى من يحميه من الحقيقة.
خلال زيارتي الأخيرة إلى غانا، وجدت نفسي أمام جزء من هذا التاريخ بصورة مختلفة تماماً. وقفت أمام المحيط الأطلسي، ثم زرت Cape Coast Castle، ومررت عبر Door of No Return – بوابة اللاعودة؛ المكان الذي خرج منه آلاف الأفارقة قسراً نحو السفن التي عبرت بهم المحيط إلى المجهول.
هناك، لم يعد الحديث عن تجارة الرقيق مجرد صفحات في كتاب.
كان المكان نفسه يتحدث.
الجدران، الممرات، الزنازين، والبوابة المطلة على البحر كلها كانت تروي قصة الإنسان الأفريقي الذي تحوّل، في واحدة من أكثر صفحات التاريخ قسوة، إلى سلعة في نظام استغلال بشري واسع.
لكن من المهم، ونحن نتحدث عن هذه المأساة، أن نمتلك رؤية تاريخية كاملة.
فتجارة الرقيق في أفريقيا لم تكن مساراً واحداً. فقد عرفت القارة شبكات متعددة لتجارة البشر عبر الصحراء الكبرى، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، وكذلك عبر الأطلسي. وكانت مناطق في شرق أفريقيا، ومنها زنجبار، مراكز مهمة لهذه التجارة.
وهنا يجب أن نكون صريحين:
لا يمكن أن نواجه تاريخ الاستعباد بانتقائية.
إذا كان من حق أفريقيا أن تتحدث عن ملايين الأفارقة الذين اقتُلعوا من أوطانهم عبر الأطلسي، فمن حقها أيضاً أن تدرس بقية شبكات تجارة الرقيق التي استنزفت المجتمعات الأفريقية عبر قرون، أياً كان الطرف الذي شارك فيها، وأياً كانت الجهة التي ارتبطت بها.
المطلوب ليس صناعة الكراهية، ولا تحميل أحفاد اليوم ذنوب الماضي.
المطلوب هو الحقيقة.
فالأمم التي تحترم نفسها لا تخاف من تاريخها، ولا تختار من الماضي ما يناسبها وتدفن ما يزعجها.
وهذا يقودني إلى واحدة من أهم الأفكار التي تركها لنا كوامي نكروما.
في غانا، وقفت في متحف ومزار نكروما، وتأملت في مسيرته وخطاباته ومشروعه السياسي. أدركت أن نكروما لم يكن يرى استقلال غانا باعتباره نهاية الطريق، بل بداية لمشروع أكبر: تحرير أفريقيا ووحدتها وامتلاكها لقرارها ومستقبلها.
وكانت كلمته الشهيرة تختصر هذا الحلم:
«استقلال غانا لا معنى له ما لم يرتبط بتحرير أفريقيا كلها.»
وهنا تكمن القضية الحقيقية.
معركة أفريقيا اليوم ليست فقط مع الفقر أو التخلف أو ضعف المؤسسات؛ إنها أيضاً معركة الوعي والذاكرة والقدرة على كتابة التاريخ من داخل القارة، لا أن تظل أفريقيا مجرد موضوع في كتب الآخرين.
من بوابة اللاعودة إلى بوابة العودة، ومن ظلام تجارة البشر إلى ساحات الاستقلال التي شهدت صعود النجمة السوداء، يمكننا أن نقرأ رحلة طويلة:
رحلة قارة عانت، وقاومت، واستعادت استقلالها، وما زالت تبحث عن نهضتها الكاملة.
لكن استعادة الذاكرة لا ينبغي أن تتوقف عند استحضار الألم، ولا عند الوقوف أمام أبواب الماضي المغلقة. فالسؤال الأهم هو: ماذا نفعل بكل هذا التاريخ؟
وهنا، بالنسبة لي، تتجاوز المسألة حدود التاريخ لتلامس جوهر مشروع التحرر نفسه.
فالشعوب لا تتحرر فقط عندما تغادر أرضاً محتلة، أو ترفع علم الاستقلال، وإنما تتحرر أيضاً عندما تستعيد حقها في تعريف ذاتها، وكتابة تاريخها، وفهم جراحها، وتحديد مستقبلها بعيداً عن الصور التي رسمها الآخرون عنها.
ومن هنا أجد صلة عميقة بين تجربة أفريقيا في استعادة ذاكرتها، وبين الفكرة التي حملها مشروع السودان الجديد؛ ذلك المشروع الذي لا ينظر إلى السودان باعتباره مجرد حدود جغرافية أو دولة ورثناها من الماضي، وإنما باعتباره مشروعاً لإعادة بناء الإنسان والدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتنوع، والعدالة، والحرية، والكرامة الإنسانية.
فالسودان الجديد، في جوهره، هو دعوة إلى العودة إلى الذات؛ لا العودة إلى الماضي كما هو، وإنما العودة إلى الإنسان، إلى جذور التنوع، وإلى الحقيقة التي حاولت أنظمة الهيمنة والإقصاء طويلاً أن تطمسها.
إن مواجهة التاريخ ليست ترفاً فكرياً. إنها شرط من شروط بناء المستقبل.
وكما تحتاج أفريقيا إلى أن تواجه تاريخ تجارة الرقيق والاستعمار بكل تعقيداته، فإن السودان أيضاً يحتاج إلى مواجهة تاريخه بشجاعة؛ أن ينظر إلى قرون من التهميش والاستعلاء الثقافي والتمييز والحروب، وأن يسأل بصدق: كيف وصلنا إلى هنا؟ ومن الذي دفع الثمن؟ ولماذا ظل بعض أبناء هذا الوطن يشعرون، حتى اليوم، بأنهم غرباء في وطنهم؟
إن مشروع السودان الجديد لا يقوم على الانتقام من أحد، كما أن استعادة أفريقيا لذاكرتها لا تعني توريث الكراهية للأجيال القادمة.
إنها قضية استعادة الإنسان لكرامته، واستعادة المجتمع لوعيه، واستعادة الوطن لقدرته على احتضان جميع أبنائه دون تمييز.
ولهذا فإن العودة إلى الذات ليست عودة إلى القبيلة ضد الوطن، ولا إلى العِرق ضد الإنسانية، ولا إلى الماضي ضد المستقبل. إنها عودة إلى الإنسان باعتباره نقطة البداية؛ الإنسان الذي له الحق في أن يكون حراً، وأن يعيش بكرامة، وأن يحتفظ بلغته وثقافته وذاكرته، وفي الوقت نفسه أن يشارك الآخرين في بناء وطن مشترك.
ومن هنا يصبح التاريخ جسراً لا سجناً.
فمن بوابة اللاعودة في ساحل الذهب، حيث أُجبر الإنسان الأفريقي على مغادرة وطنه بلا عودة، إلى حلم أفريقيا التي تستعيد صوتها وقرارها؛ ومن تاريخ الاستعباد والاستعمار إلى مشروع الوحدة والتحرر؛ ومن ذاكرة الانقسام والحروب في السودان إلى حلم السودان الجديد، هناك خيط واحد يجمع كل هذه التجارب:
إن الإنسان لا يستطيع أن يبني مستقبله ما لم يمتلك شجاعته في مواجهة ماضيه.
وهذه، في تقديري، هي الرسالة الأعمق التي يمكن أن نتعلمها من نكروما، ومن حركات التحرر الأفريقية، ومن كل المشاريع التي سعت إلى تحرير الإنسان من الهيمنة والإقصاء.
فالحرية ليست فقط أن ترفع راية الاستقلال.
الحرية أن تعرف من أنت.
أن تعرف تاريخك.
أن تمتلك روايتك.
أن تصالح نفسك مع ماضيك دون أن تستسلم له.
وأن تفتح الطريق أمام أجيال جديدة لا تحمل أحقاد الماضي، لكنها تحمل وعيه.
لهذا، فإن معركتنا اليوم ليست معركة ذاكرة ضد ذاكرة، ولا أفريقي ضد أفريقي، ولا شمال ضد جنوب، ولا مجموعة ضد أخرى.
إنها معركة وعي ضد النسيان، وحقيقة ضد الإنكار، وإنسانية ضد كل أشكال الاستعلاء.
فالسودان الجديد، كما أراه، ليس مجرد اسم سياسي أو شعار لحركة سياسية؛ بل يمكن أن يكون فكرة مفتوحة لإعادة بناء السودان على أساس جديد: سودان يرى التنوع مصدر قوة، لا سبباً للحرب؛ ويرى الاختلاف ثراءً، لا تهديداً؛ ويجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات؛ ويضع الإنسان قبل السلطة، والكرامة قبل الهيمنة، والعدالة قبل الامتياز.
وهكذا تصبح العودة إلى الذات ليست عودة إلى الوراء، بل خطوة إلى الأمام.
نعود إلى ذواتنا لكي نعرف من نحن، ونواجه تاريخنا لكي نفهم أين أخطأنا، ونستعيد ذاكرتنا لكي لا نكرر المأساة، ثم نمضي إلى المستقبل بوعي أكثر نضجاً.
أفريقيا لا تحتاج إلى أن تنسى تاريخها حتى تتقدم.
والسودان لا يحتاج إلى أن يخفي تنوعه حتى يتوحد.
بل ربما تكون البداية الحقيقية حين نتوقف عن الخوف من الحقيقة.
فالتاريخ الذي نجرؤ على مواجهته لا يعود سجناً لنا.
والذاكرة التي نستعيدها لا تصبح عبئاً علينا، بل تصبح مصدراً للقوة.
ومن يستعيد ذاكرته، يستعيد جزءاً من كرامته.
ومن يستعيد صوته، يستعيد مكانه.
ومن يعرف ذاته، يستطيع أن يصنع مستقبله.
أفريقيا تتذكر.
أفريقيا تستعيد صوتها.
والسودان، حين يواجه تاريخه ويحتضن تنوعه، يستطيع أن يبدأ رحلة العودة إلى ذاته… نحو السودان الجديد.

التاريخ_الأفريقي
السودان_الجديد
العودة_إلى_الذات

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات