بقلم : صفاء الزين
كلما اقترب الحديث عن وقف الحرب ارتفعت أصوات جماعة «حرب الكرامة» دفاعاً عن استمرارها وكلما طُرحت وسيلة تقلل القدرة على مواصلة القتال خرج الخطاب ذاته “البرهان” هو الدولة ومن يطالب بوقف الحرب يستهدف “البرهان” وينال من المؤسسة العسكرية ومن يدعو إلى حظر الطيران يريد تسليم السودان وهكذا يتحول أي حديث عن تقليل أدوات القتل إلى خيانة ويصبح الداعم لوقف الحرب في نظر دعاة الحرب غير سوداني أو عميلاً لمجرد أنه يطالب بحماية أرواح السودانيين.
حظر الطيران العسكري في كافة أنحاء البلاد ينبغي أن يكون جزءاً من أي جهد جاد لتقليل كلفة الحرب على المدنيين فالطيران واحد من أخطر أدوات القتال وقد وصلت قنابله إلى القرى والحلال والبيوت وحرقت الفرقان ولاحقت أهلنا في المراحيل والبوادي فقتلت أطفالاً ونساءً وأسرًا بعيدة عن ساحات القتال، وعندنا لا تعني الغارة الجوية رقماً في تقرير عسكري ولكنها تعني بيتاً يُهدم وأسرة تُفقد وطفلاً يُقتل وقرية تتحول في لحظات إلى مكان للموت فالطيران يحصد أرواح السودانيين ويحوّل الحرب إلى موت مجاني يدفع ثمنه المدنيون قبل غيرهم.
ولهذا فإن حظر الطيران في كافة أنحاء السودان علينا قراءته باعتباره محاولة لتقليص واحدة من أدوات الحرب الأكثر فتكاً بالمدنيين وخفض القدرة على مواصلة القتال وتقليل كلفة الحرب من أرواح السودانيين وعندما تتراجع إحدى أهم أدوات القتال يصبح استمرار الحرب أكثر كلفة ويصبح التفاوض خياراً أكثر واقعية خصوصاً أمام الجيش الذي يعتمد على التفوق الجوي.
وهناك سابقة دولية مهمة فقد صدر قرار مجلس الأمن رقم 1591 عام 2005م في سياق الحرب في دارفور وطالب حكومة السودان بوقف الرحلات العسكرية الهجومية لأهل دارفور وكان ذلك جزءاً من الاستجابة الدولية لحماية المدنيين وتقليل العمليات العسكرية الجوية لكن الحرب اليوم تجاوزت دارفور وامتدت إلى مساحات واسعة من السودان ولذلك يصبح منطق حماية المدنيين أكثر إلحاحاً ويصبح حظر الطيران العسكري في كافة أنحاء البلاد متناسباً مع اتساع رقعة الحرب وحجم الكارثة الإنسانية.
فالطائرات التي تُستخدم في قصف المدن والقرى والحلال تحصد أرواح السودانيين وتضاعف المأساة الإنسانية واستمرار استخدامها يعني استمرار أداة قادرة على قتل المدنيين من مسافات بعيدة لذلك فإن تقليص القدرة على استخدام الطيران يضغط باتجاه تقليل القتال ويفتح مساحة أمام التفاوض ويضع خيار الحسم العسكري أمام كلفة جديدة.
أما دعاة الحرب فقد جعلوا من استمرار القصف معياراً للكرامة ومن الاعتراض عليه دليلاً على الخيانة حتى أصبح السوداني مطالباً بإثبات وطنيته عبر قبول الحرب وقبول الموت وهذه معادلة مقلوبة تجعل حياة الإنسان في مرتبة أدنى من استمرار المعركة وتحوّل الوطنية إلى شعار يُستخدم لإسكات كل صوت يطالب بوقف نزيف الدم.
لقد عانى السودان لعقود خلت من خلط المؤسسة العسكرية بالمشروع السياسي واستخدمت الحركة الإسلاموية مؤسسات الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية لحماية سلطتها وبعد سقوط نظام البشير استمر نفوذها داخل مؤسسات الدولة واليوم يُعاد إنتاج جزء من الخطاب نفسه تحت عنوان «حرب الكرامة» حيث يُطلب من السوداني أن يرى الجيش قبل الدولة والبندقية قبل القانون وأن يعتبر استمرار الحرب وموت الأبرياء في الفرقان الحلال والمدن دفاعا عن الوطن.
لكن الحرب التي تُرفع باسم الكرامة مرمطت كرامة السودانيين أكثر مما فعل أي شعار أسر مشتتة وأطفال يكبرون وسط الخوف والنزوح والجوع فأي كرامة هذه التي تُقاس بقدرة الطائرات على الوصول إلى المدنيين وأي كرامة في أن تفقد أم أبناءها تحت القصف ؟؟؟
وأي كرامة في أن يتحول الوطن إلى مساحة مفتوحة للموت ؟؟؟
ختاما : إن الكرامة الحقيقية في حياة السوداني وأمنه، لأن السودان دفع من أرواحه ومدنه ومستقبله ثمناً يفوق احتمال شعبه وما يحتاجه اليوم هو وقف آلة الحرب لا المزيد من الشعارات التي تبرر استمرارها وحين تتراجع قدرة السلاح وتتقدم السياسة يصبح السلام أقرب وحين تتوقف الطائرات عن حصد أرواح السودانيين يصبح الحديث عن الكرامة أكثر صدقاً من أي وقت مضى فكرامة السودان تبدأ من حياة السوداني وتنتهي عند حقه في السلام.