لا تشغلكم الضوضاء التي تطلقها الأسافير هذه الأيام عن خلافات معلنة ومصطنعة بين ما يسمون أنفسهم البلابسة والفلنقاوات والدواعش من قادة الجيش وجماعة الإخوان المسلمين. ولا تقفوا طويلاً عند الروايات التي تتحدث عن توتر العلاقة بين قائد الجيش الإرهابي عبد الفتاح البرهان ونائبه السابق الفريق شمس الدين كباشي وغيرهم من الوجوه التي اعتاد الناس رؤيتها في واجهة المشهد. فكل ذلك دخان كثيف تطلقه الماكينة الإعلامية لنفس العقل الذي أدار البلاد لعقود بالكذب والخداع وتنفيذ سياسة الحرف بالأبرة وتفتيت الخصوم من الداخل.
الأصل الذي يجب أن نركز عليه هو أننا نواجه مشروعاً متكاملاً لإبادة هذا الشعب وتدمير دولته. مشروع بدأت ملامحه منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989 حين اختطفت جماعة الإخوان المسلمين الدولة وحولتها إلى معسكر كبير للتعبئة والتجنيد. مشروع شهد العالم على مكره وقطرسته ومراوغته وخيانته المتكررة. مشروع استخدم أسوأ أدوات القتل فاستعان بمرتزقة من شتى بقاع الأرض، ورهن قرار السودان لمراكز قوى إقليمية ودولية معروفة بعدائها لخيارات الشعب، ولم يتورع عن استخدام أسلحة محرمة دولياً في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. واليوم تتحدث التقارير الدولية والمحلية عن محاولات إدخال أسلحة مجرمة إلى مدينة الأبيض تمهيداً لاستخدامها ضد المواطنين العزل في الأحياء والأسواق، في تكرار لنفس السياسة التي اعتمدت على ترويع الناس وكسر إرادتهم منذ مجازر التسعينات وحتى فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019.
هذا العدو الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين وتتولاه كتائب محسوبة على لواء البراء، تدرب على النفاق السياسي والأخلاقي حتى صار جزءاً من عقيدته. هم بارعون في صناعة المشاهد التمثيلية، وفي توقيع الاتفاقيات التي لا ينوون الوفاء بها، وفي إطلاق التصريحات التي تهدف فقط لكسب الوقت واستدرار تعاطف دولي زائف. التاريخ القريب يثبت أن ذات الوجوه التي كانت تدير جيش الإخوان المسلمين وحزب المؤتمر الوطني هي التي تدير الحرب اليوم. هم الذين وقعوا اتفاقية نيفاشا ثم نقضوها، وهم الذين ذهبوا إلى الدوحة وأبوجا وأديس فخرجوا ببروتوكولات بلا تنفيذ، وهم الذين جلسوا في المنامة وجدة وزيورخ وواشنطن ليوقعوا أوراقاً لا تساوي الحبر الذي كتبت به، بينما كانت بنادقهم تتحدث في الميدان.
لقاء الفريق شمس الدين كباشي بمبعوث الرئيس الأمريكي إلى أفريقيا والسلام في السودان ليس جديداً. فقد سبقته لقاءات وتفاهمات واتفاقيات وقعت تحت ذات العناوين البراقة، وكانت النتيجة واحدة دائماً: مزيد من القتل، ومزيد من التهجير، ومزيد من المراوغة. فلا تنتظروا من هذه الطاولة حصيلة مختلفة، لأن الهدف الأساسي ليس السلام بل استمرار الحرب، وليس الحل بل كسب الوقت لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف لضرب مشروع الثورة وعدالة القضية التي يحملها الشعب منذ ديسمبر المجيدة.
المطلوب الآن ليس الانشغال بالشائعات ولا بتسريبات الغرف المغلقة. المطلوب هو اليقظة والاستعداد. كلما صدحوا بحديث عن هدنة أو لقاء أو تفاوض، فلنعلم أن هناك تحركاً عسكرياً أو شحنة سلاح أو مؤامرة جديدة تطبخ في الخلفية. العالم يتحدث ويوثق، ونحن نعلم أن المواجهة مفتوحة وأن هذا العدو لا عهد له ولا ضمير ولا مبادئ تحكمه. إنه رجس اختار طريق الدم منذ أن رفع شعار “هي لله” وتاجر به، وسيدفع الثمن غالياً.
فلنستعد جميعاً، ولنعد ما استطعنا من قوة، ولنحذر كل الحذر، فالمعركة معركة وجود. معركة بين مشروع دولة المواطنة والحرية والسلام والعدالة، وبين مشروع ميليشيا متأسلمة تريد أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. قاتلهم الله أنى يؤفكون.

