الخرطوم – السودانية نيوز
بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين للعودة التاريخية للقائد الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور إلى الخرطوم، نشر الشاعر مازن أبو الحسن قصيدة جديدة بعنوان “مر المحارب من هنا”، استحضر فيها المشهد الاستثنائي الذي استقبل فيه نحو ستة ملايين سوداني القائد الراحل في 8 يوليو 2005، عقب توقيع اتفاقية السلام الشامل.وتأتي القصيدة التي نُشرت عند الرابعة عصراً بتوقيت السودان، كتأمل في حلم “السودان الجديد” الذي حمله قرنق، وتوثيقاً للحظة مفصلية أنهت أطول الحروب في القارة الأفريقية، قبل أن يرحل القائد في حادث تحطم مروحيته بعد 22 يوماً فقط من عودته.وقال الشاعر في مقدمة القصيدة إنها “ليست رثاءً لشخص فحسب، بل استحضار لمرحلة مفصلية من تاريخ السودان، وإيمان بأن الأفكار العظيمة لا تموت برحيل أصحابها”، مختتماً بـ “رحل الجسد… وبقي الأمل”.
قصيدة: مَرَّ المُحارِبُ مِنْ هُنا
كلمات: مازن أبو الحسن
مرّ المحارب من هنا
في لحظة.. من عشرين سنة
جايب معاه .. غصن السلام
بان المهيب .. زي الغمام
شايل معاه .. أحلام طفل
وفرحة أم .. منتظرة عيد
راجع معاه .. مشروع بلد
حامل فكر .. “سودان جديد”
في الساحة احتشدوا الغُبُش
وهتفوا بي صوت كالهدير
إتزلزلت كل البلد
واستفتوه بإستقبال كبير
لغتو البسيطة بتتفهم
وبتخاطب الروح والعقول
حبّو الجميع لمن وصل
ابتسامتو في قلب اي زول
وفي تاني يوم أدى القسم
يصنع قدر .. سابق الزمان
شمر سواعده واشتغل
وعاد للوطن … روح الكيان
قال نحن بجمعنا المصير
لا دين… لا لون… لا قبيلة
دايرين وطن .. يسع الجميع
ويكون هويتنا الأصيلة
يلا نزرع، ونشق طريق
ونعلّم الطفل الوديع
نحوّل الريف لمدينة
والعلاج.. حق للجميع
ثرواتنا مفتاح تنمية
بتفيض وتتخطى الحدود
ونشوف أفريقيا موحّدة
نحفظ نصون .. أرض الجدود
نكروما… مانديلا… وكابرال
إتكتبوا … تاريخ للنضال
وجون قرنق حمل القضيّة،
كِفاح نساء .. وثورة رجال
وفجأه إنتشرت إشاعة
طيارته راحت في الظلام
صلواتنا طول الليل ضراعة
وان شاء الله ترجع بسلام
قتلوا الحلم … بفعل فاعل
ونثروا الرماد فوق الجبال
ذرفوا الدموع فوق العزاء
وسكن الحزن بين التلال
دفنوا الجسد جوة الحطام
واغتالوا في شخصه البلد
عبث … بجثته اللئام
وغرسوا في نعشه الوتد
اتآمروا وحبكوا المكيدة
تغيّب إسمه من الوجود
ويزيلوا سيرتو وتنمحي
ومشروعه ما يلقى النهوض
فشل الجميع يلقوا البديل
وساقوا البلد بالارتجال
قسموا الخريطة لدولتين
وقالوا السلام في الانفصال
رفعوا العلم زادوا المحن
وكرروا الوجع القديم
لا الجنوب لاقى الوطن
لا الشمال عاش في نعيم
غاب الحلم عن دولتين
وغابت إرادة … من الجميع
تاه المواطن بين حدود
سرقت اخوه في يوم نجيع
بدّلوا السلم بسلاح
وضاعت الثروات حروب
نار الفتن … في كل مكان
شمال غرِب … شرق وجنوب
مرت سنين.. ومازال حيّ
وكلماتو بترجع آمال
أثره الفضل في كل حي
وأفكاره .. دستور لأجيال
مرّ المحارب من هنا
ونسج وراه درب الحرير
رسم للناس خارطة طريق
“سودان جديد” بخط كبير
رحل الجسد وبقى الأمل
وصبح قرنق … رمز للصمود
سودان جديد… مشروع بلد
والفكرة أبداً… ما بتموت
كُتبت هذه القصيدة بمناسبة الذكرى العشرين للاستقبال التاريخي الذي حظي به القائد الراحل الدكتور جون قرنق دي مبيور، رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان، في 8 يوليو 2005، حين استقبلته الخرطوم في مشهدٍ استثنائي قُدِّر حضوره بنحو ستة ملايين شخص، بعد عودته التاريخية إلى السودان إثر غياب دام 22 عامًا.
جاءت تلك العودة عقب توقيع اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا)، بين الحكومة السودانية و الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي أنهت أطول الحروب في القارة الأفريقية، وفتحت الباب أمام مرحلة انتقالية كان يُعوَّل عليها لبناء وطن جديد قائم على السلام، والمواطنة، والعدالة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة.
تستحضر القصيدة تلك اللحظة الفارقة، وتوثّق الأمل الكبير الذي حمله مشروع “السودان الجديد”؛ المشروع الذي دعا إلى دولةٍ تتسع لجميع السودانيين، وتحترم تنوعهم الثقافي والعرقي والديني، وتضع المواطنة أساسًا للحقوق والواجبات دون تمييز.
وبعد تعيين الدكتور جون قرنق نائبًا أول لرئيس جمهورية السودان ورئيسًا لحكومة جنوب السودان، بدأ سباقًا مع الزمن لترجمة هذه الرؤية إلى واقع. لكن الأقدار حملت حدثًا مأساويًا غيّر مجرى التاريخ، حين رحل في حادث تحطم مروحيته في 30 يوليو 2005، في حادثة ما زالت تثير كثيرًا من التساؤلات، لتنطفئ بذلك شعلة قائدٍ حمل حلم ملايين السودانيين.
وتُنشر هذه القصيدة عند الساعة الرابعة عصرًا بتوقيت السودان، تزامنًا مع الذكرى الحادية والعشرين لوصول الدكتور جون قرنق دي مبيور إلى الخرطوم، استحضارًا لتلك اللحظة التاريخية التي امتلأت فيها شوارع العاصمة بملايين السودانيين، وهم يستقبلون قائدًا حمل مشروع السلام ورؤية “السودان الجديد”.
ليست هذه القصيدة رثاءً لشخص فحسب، بل هي استحضار لمرحلة مفصلية من تاريخ السودان، وتأمل في حلمٍ ما زال حاضرًا في وجدان الكثيرين. إنها قصيدة عن الأمل، والوحدة، والسلام، والإيمان بأن الأفكار العظيمة لا تموت برحيل أصحابها.
“رحل الجسد… وبقي الأمل.”

