محمد صلاح عبد الرحمن
فرضـت الإمـارات العربيـة المتحـدة فـي 7 أغسـطس 2025، إثـر توتـرات دبلوماسـية متصاعـدة، حظـراً جويـا وبحريـا علـى جميـع الرحـلات الجويـة وحركـة الملاحـة البحريـة بـن الإمـارات وبورتسـودان، العاصمـة الفعليـة للبلـد والمركـز الرئيسـي لأنشـطته التصديريـة منـذ انـدلاع الحـرب فـي أبريـل 2023. وقـد حـال هـذا الحظـر السـفن دون اسـتخدام موانـئ الإمـارات لشـحن البضائـع مباشـرة إلـى السـودان أو لإعـادة شـحنها مـن دول ثالثـة إلـى السـودان. كمـا أكـدت شـركة سـي إم إيـه سـي جـي إم، إحـدى أكبـر شـركات الشـحن فـي العالـم، هـذه القيـود1.
رداً علـى ذلـك، اتّخـذت لجنـة الطـوارئ الاقتصاديـة، التـي يترأسـها رئيـس الـوزراء، عـدداً مـن القـرارات الراميـة إلـى تشـجيع العثـور علـى وجهـات بديلـة للبضائـع السـودانية وفـرض رقابـة مشـددة علـى الصـادرات. لكـن ولسـوء الحـظ ،اسـتندت معظـم تلـك الإجـراءات علـى اسـتراتيجية قديمـة تعتمـد علـى السـيطرة، وقـد ثبـت بالفعـل عـدم فعاليتهـا إلـى حـد كبيـر.
مثّـل الحظـر ورد فعـل الحكُومـة السـودانية عليـه تطوريـن اسـتثنائين، إلا أنهمـا لـم يحظَيـا بنقـاش أو تعليـق يُذكـر علـى المسـتوى الدولـي. وتجـادل هـذه الورقـة بأنـه رغـم أن الحظـر ورد الحكومـة السـودانية عليـه جـاءا مـن مراكـز سياسـية مختلفـة ومتضاربـة إلـى حـد كبُيـر، إلا أن هـذه المراكـز تتقاطـع بشـكل يؤثـر سـلبا علـى الاقتصـاد السـوداني ،لا سـيما قطـاع الذهـب. ومـن المرجـح أن تعـزز هـذه التطـورات هيمنـة السـوق الموازيـة والسـوق الخاضعـة للعسـكر ،وتزيـد مـن عمليـات التهريـب عبـر الحـدود، وتُفاقـم سـوء الوضـع الإنسـاني فـي البلـد.
يطـال تأثيـر الحظـر مجموعـة واسـعة مـن السـلع المسـتوردة والمصـدرة، ممـا يزيـد مـن تكاليـف الاسـتيراد ويقلـل مـن عائـد صـادرات السـودان الرئيسـية، لا سـيما الذهـب، المصـدر الرئيسـي للعمـلات الأجنبيـة، والنفـط، وكلاهمـا يُسـتوردان ويُصـدّران عبـر الإمـارات العربيـة المتحـدة. وقـد أدى ذلـك إلـى اسـتمرار انخفـاض قيمـة الجنيـه السـوداني .
وهـدّد انقطـاع العلاقـات الاقتصاديـة بـن البلديـن بتداعيـات اقتصاديـة سـلبية أوسـع نطاقـا فـي ظـل مـا يُوصـف بالفعـل بأنـه أسـوأ أزمـة إنسـانية فـي العالـم.
تقييد العلاقات الاقتصادية
فـي مايـو 2025، قطـع السـودان علاقاتـه الدبلوماسـية مـع الإمـارات العربيـة المتحـدة بعـد أن صنّفهـا رسـميا «دولـة معتديـة» بسـبب تقديمهـا الدعـم العسـكري والمالـي والدبلوماسـي لقـوات الدعـم السـريع3. وقـد جـاءت تلـك الإجـراءات

رداً علـى هجمـات قـوات الدعـم السـريع علـى بورتسـودان ومـدن أخـرى4، وتاليـة للإجـراءات القانونيـة التـي شـرعت فيها السـلطات السـودانية ضـد الإمـارات العربيـة المتحـدة أمـام محكمـة العـدل الدوليـة5، رغـم أن الجيـش السـوداني كان قـد وجّـه اتهامـات مماثلـة منـذ انـدلاع الحـرب فـي أبريـل 2023. وقـد نفـت أبـو ظبـي هـذه الاتهامـات باسـتمرار، رغـم طـرح مصـادر مسـتقلة عديـدة أدلـة متزايـدة علـى أنهـا تـزود قـوات الدعـم السـريع بأسـلحة متطـورة مثـل الطائـرات المسـيّرة وأنظمـة الدفـاع الجـوي، بـل ومجموعـات مـن المرتزقـة الكولومبيـن.
ورداً علـى ذلـك، صعّـدت الإمـارات العربيـة المتحـدة مـن إجراءاتهـا، فأوقفـت جميـع الرحـلات الجويـة المباشـرة مـن وإلـى السـودان، بمـا فـي ذلـك رحـلات الـركاب والشـحن، فـي الأسـبوع الأول مـن أغسـطس 20256. وبعـد أيـام مـن تعلّيـق الرحـلات، زادت الإمـارات مـن تصعيدهـا بحظـر أي اتصـال بحـري مباشـر مـع بورتسـودان عبـر البحـر الأحمـر. فعلقـت مناولـة البضائـع التـي تدخـل أو تمـر عبـر موانـئ الإمـارات مـن أو إلـى بورتسـودان، ومنعـت السـفن التـي ترفـع علـم الإمـارات مـن الرسـو فـي بورتسـودان، وهـددت السـفن التـي تتاجـر مـع بورتسـودان بتعليـق تراخيصهـا7.
يـرى العديـد مـن المحللـن أن الدافـع الفعلـي وراء قـرار الإمـارات هـو خنـق مسـارات تصديـر الذهـب والنفـط السـوداني ،وبالتّالـي إضعـاف حكومـة الأمـر الواقـع فـي بورتسـودان فـي مواجهتهـا مـع قـوات الدعـم السـريع. ورغـم تصاعـد التوتـر فـي العلاقـات الدبلوماسـية بـن البلديـن، كان التبـادل التجـاري بينهمـا نشـطا حتـى بعـد انـدلاع الحـرب فـي أبريـل 2023. ويُعـزى ذلـك بشـكل رئيسـي إلـى ارتفـاع إنتـاج الذهـب والطلـب الإماراتـي الكبيـر عليـه، إذ أنتـج السـودان مـا بـن 64 و80 طنـا مـن الذهـب عـام 2024. وقـد أرسـل معظـم هـذا الذهـب إلـى الإمـارات ممـا جعلهـا تسـتمر ثانـي أكبـر
شـريك تجـاري للسـودان ومركـزاً محوريـا لإعـادة تصديـر منتجاتـه. ومـع تراجـع الصـادرات الزراعيـة وغيرهـا مـن الصـادرات بسـبب الحـرب، اضطـر السـودان إلـى الاعتمـاد بشـكل أكبـر علـى الذهـب بوصفـه مصـدراً رئيسـيا للعملـة الصعبـة، ممـا زاد مـن أهميـة تجارتـه .
نظـراً لهـذه المصالـح المشـتركة، تجنـب الطرفـان قطـع العلاقـات التجاريـة بشـكل متعمـد حتـى لحظـة فـرض الحظـر فـي أغسـطس 2025. وأفـاد مسـتثمرون فـي الإمـارات العربيـة المتحـدة مطلعـون علـى التطـورات بـأن موانـئ دبـي طلبـت اسـتثناءها مـن الحظـر بنـاءً علـى رغبتهـا فـي عـدم التأثـر بالقـرارات السياسـية، نظـراً لاعتمادهـا علـى التجـارة الحـرة واحتمـال إضـرار هـذه القـرارات بسـمعتها التجاريـة8. ويبـدو أن هـذه الطلبـات أدّت إلـى اسـتئناف جزئـي لحركـة الشـحن مـن جبـل علـي إلـى بورتسـودان، بينمـا اسـتمر تحويـل مسـار معظـم سـفن الشـحن عبـر موانـئ أخـرى فـي المنطقـة، مثـل صلالـة فـي عُمـان وجـدة، وفقـا للمصـادر نفسـها ولمراقبـن فـي بورتسـودان9.
تأثير القرارات الإمارتية على السودان
ينطـوي الحصـار علـى احتمـال أن يؤثـر تأثيـراً كبيـراً علـى الاقتصـاد السـوداني نظـراً للعلاقـات التجاريـة الوثيقـة بـن البلديـن. إذ كانـت الإمـارات العربيـة المتحـدة أكبـر شـريك تجـاري للسـودان فـي عـام 2024، وفقـا لمركـز بيانـات التجـارة والتنميـة التابـع للأمـم المتحـدة )الأونكتـاد(، حيـث اسـتقبلت مـا يُقـدّر بأربعـة أضعـاف صـادرات المملكـة العربيـة السـعودية، الشـريك التجـاري الثانـي فـي الترتيـب10. كذلـك كانـت الإمـارات لـردح مـن الزمـن مصـدراً رئيسـيا لـواردات السـودان، بمـا فـي ذلـك نفـط بقيمـة 121 مليـون دولار أمريكـي فـي عـام 320211.
فـي هـذا السـياق عطّـل الحظـر خطـوط إمـداد حيويـة كانـت تمـر عبـر مطـار بورتسـودان، الـذي أصبـح منـذ انـدلاع الحـرب البوابـة الجويـة الرئيسـية للبلـد12. وأدت هـذه الإجـراءات إلـى تفاقـم الأضـرار الماديـة والمخـاوف الأمنيـة عقـب العمليـات العسـكرية لقـوات الدعـم السـريع ضـد مينـاء بورتسـودان، بمـا فـي ذلـك اسـتهداف المطـار بغـارات متكـررة بالطائـرات المسـيرة.
كذلـك تنطـوي القيـود المفروضـة علـى النقـل البحـري، إلـى جانـب حظـر الرحـلات الجويـة، علـى تأثيـرات محتملـة علـى مختلـف جوانـب الاقتصـاد. فقـد تزيـد تكلفـة الـواردات بإجبارهـا المسـتوردين علـى تحويـل مسـار البضائـع مـن الإمـارات العربيـة المتحـدة إلـى موانـئ أخـرى فـي المملكـة العربيـة السـعودية أو غيرهـا، ممـا يزيـد مـن تكاليـف النقـل .كمـا قـد تهـدد هـذه القيـود عائـدات السـودان الرئيسـية مـن الصـادرات، لا سـيما الذهـب والنفـط، الأمـر الـذي قـد يهـدد بـدوره احتياطيـات البـلاد مـن العمـلات الأجنبيـة، ويـؤدي إلـى انخفـاض قيمـة العملـة، ويخلـق اضطرابـات أخـرى .وتهـدد زيـادة تكاليـف الاسـتيراد بتفاقـم الصعوبـات التـي يواجههـا السـودان فـي الحصـول علـى الغـذاء والإمـدادات الطبيـة، ممـا يـؤدي إلـى ارتفـاع الأسـعار وتفاقـم انعـدام الأمـن الغذائـي13. وقـد أدت زيـادة أزمـان وتكاليـف النقل البحري والجـوي إلـى مينـاء بورتسـودان، بالإضافـة إلـى انخفـاض قيمـة العملـة المحليـة، إلـى ارتفـاع أسـعار الأدويـة التـي تحـوّل مسـارها ليمـر عبـر مطـارات إقليميـة أخـرى، فضـلاً عـن زيـادة تكلفـة المـواد الغذائيـة المسـتوردة14.
كان لهـذه التطـورات تأثيـر مباشـر علـى الصـادرات السـودانية، لا سـيما النفـط15 والذهـب، اللذيـن يُعـدّان مـن أكبـر

صـادرات البلـد. ومـا كان للحظـر الإماراتـي أن يأتـي فـي وقـت أسـوأ مـن هـذا الوقـت بالنسـبة لاقتصـاد السـودان المُنهـك بفعـل الحـرب والنـزوح. فبـن عامـي 2023 و2025، هيمـن الذهـب علـى صـادرات السـودان، وارتفـع الإنتـاج الرسـمي إلـى حوالـي 64 طنـا فـي عـام 2024، لكـن عائـدات الذهـب المصـدر بصـورة قانونيـة بلغـت حوالـي 1.57 مليـار دولار أمريكـي )لحوالـي 28 طنـا، بينمـًا هُـرّب الباقـي أو صُـدّر خـارج السـجلات الرسـمية(. وانخفضـت الصـادرات الزراعيـة التقليديـة انخفاضـا حـاداً، نتيجـة للنـزوح الكُبيـر للمجتمعـات الزراعيـة والرعويـة. وكانـت قيمـة «الحبـوب الزيتيـة» مثـل الفـول السـوداني والسمسـم قبـل الحـرب تقـدّر بنحـو 746 مليـون دولار أمريكـي )بيانـات 2020(، إلا أن قيمتهـا خـلال سـنوات الحـرب غيـر متاحـة. وتشـمل الصـادرات المهمـة وقـت الحـرب الفـول السـوداني والسمسـم والماشـية والجلـود والبرسـيم ،حيـث تُوجّـه التجـارة بشـكل رئيسـي إلـى الصـن والهنـد والإمـارات العربيـة المتحـدة والمملكـة العربيـة السـعودية ومصـر. كمـا اسـتمرت صـادرات النفـط الخـام إلـى الإمـارات العربيـة المتحـدة والمملكـة العربيـة السـعودية. أمـا علـى صعيـد الـواردات، فقـد انًخفضـت واردات القمـح فـي عـام 2023 إلـى حوالـي 342 ألـف طـن، مـا يعـادل 121 مليـون دولار أمريكـي تقريبـا، مقارنـة بـ 505 ملايـن دولار فـي عـام 202216. فـي المقابـل، بـرز الوقـود والأدويـة والمدخـلات الزراعيـة بوصفهـا الـواردات الرئيسـية17.
أدى الحظـر الـذي فرضتـه الإمـارات العربيـة المتحـدة إلـى إغـلاق سـوق الذهـب فـي دبـي أمـام الذهـب السـوداني، ممـا أحـدث صدمـة فـي السـوق. وشـكّلت صـادرات الذهـب الرسـمية إلـى الإمـارات فـي عـام 2024 نسـبة %96.8 مـن إجمالـي صـادرات الذهـب18. إضافـةً إلـى ذلـك، ولأن الذهـب هـو المصـدر الرئيسـي للعملـة الأجنبيـة فـي السـودان، فقـد فاقـم هـذا الحظـر النقـص الحالـي فـي العملـة وفقـدان الثقـة الناجـم عـن الحـرب، ممـا سـرّع مـن انخفـاض قيمـة الجنيـه السـوداني ،الـذي تراجـع مـن متوسـط 2650 جنيهـا للـدولار الأمريكـي قبـل القـرارات إلـى 3500 جنيـه للـدولار بعـد أقـل مـن شـهر مـن القـرارات. ويمثـل هـذا الانخفـاض أحـد أعلـى معـدلات انخفـاض قيمـة العملـة التـي شـهدتها البـلاد منـذ بدايـة الحـرب ،
كذلـك أثّـر الحظـر علـى مدخـلاتُ الإنتـاج الأساسـية فـي عمليـات التعديـن، بمـا فيهـا الكربـوًن النشـط والسـيانيد والثيورًيـا، والآلات المسـتخدمة. وتنتـج هـذه المدخـلات فـي الغالـب فـي الصـن والهنـد، وتمـر عـادة عبـر موانـئ الإمارات ،خاصـة منطقـة دبـي الحـرة. وقـد أجبـر توقـف الصـادرات السـودانية المباشـرة، الرسـمية وغيـر الرسـمية، إلـى دبـي ،البعـض علـى اسـتخدام طـرق غيـر مباشـرة ومكلفـة ومحفوفـة بالمخاطـر.
وممـا يـدل علـى هـذا التوجـه الجديـد تقريـر انتشـر علـى نطـاق واسـع فـي وسـائل الإعـلام المحليـة حـول شـحنة مـن الذهـب السـوداني تـزن 225 كيلوغرامـا وصلـت إلـى مطـار القاهـرة الدولـي علـى مـن طائـرة تابعـة لشـركة طيـران سـودانية فـي 8 ينايـر 2026، ويُزعـم أنهـا كانـت فـي طريقهـا إلـى دبـي علـى مـن طائـرة إماراتيـة فـي 10 ينايـر. وقـد نشـر الصحفـي الـذي كشـف القصـة لأول مـرة بوليصـة الشـحن الجـوي للشـحنة، مُحـدداً شـركة مصفـاة الذهـب السـودانية المحـدودة فـي بورتسـودان بوصفهـا المرسـل، وشـركة مجوهـرات فـي دبـي بوصفهـا المسـتلم، وذكـر أنـه قـدّم جميـع المعلومـات التـي تتعلـق بالشـحنة إلـى السـلطات المختصـة. وحتـى وقـت كتابـة هـذا التقريـر، لـم تـرد سـلطات حكومـة الأمـر الواقـع علـى هـذه الادعـاءات19.
يجمـع بـن الًحظـر الإماراتـي، وضوابـط التصديـر السـودانية، وانهيـار المؤسسـات السـودانية آليـة واحـدة، فهـي تـؤدي مجتمعـة إلـى تضييـق قنـوات التجـارة الرسـمية فـي الوقـت الـذي تبلـغ فيـه القـدرة علـى إنفـاذ القانـون واسـتقرار الأسـعار أدنـى مسـتوياتها. وفـي ظـل هـذه الظـروف، لا تـؤدي الجهـود الراميـة لمركـزة السـيطرة أو تقييـد الوصـول إلـى خفـض حجـم التجـارة؛ بـل تدفـع التجـارة نحـو شـبكات غيـر رسـمية يتغلغـل فيهـا العسـكريون تمتلـك قـدرة أفضـل علـى إدارة المخاطـر والتهـرب مـن الضوابـط والإتـاوات. وفـي اقتصـاد الحـرب المفـكك، يحظـى الفاعلـون المسـلحون والوسـطاء العابـرون للحـدود بميـزة هيكليـة تفـوق المؤسسـات المدنيـة؛ ممـا يعنـي أن نقـاط الاختنـاق والاحتـكارات تسـهم فـي تعزيـز الأسـواق الموازيـة بـدلاً مـن اسـتعادة سـيطرة الدولـة .
ومـن ثـمّ، فـإن الجهـود المبذولـة للالتفـاف علـى الحظـر قـد تعـزّز شـبكات التهريـب عبـر الحـدود، ممـا قـد يـؤدي إلـى ارتفـاع كبيـر فـي الأسـعار وإضعـاف الضوابـط، وهـو أمـر بالـغ الأهميـة بالنسـبة للأدويـة علـى وجـهٍ خـاص. وحتـى بـدون هـذه الإجـراءات، أدّت الحـرب إلـى زيـادة التهريـب عبـر الًحـدود، لا سـيما عبـر مصـر وإريتريـا، مـا يعنـي أن كميـات أكبـر مـن البضائـع تمـر عبـر موانـئ هاتـن الدولتـن مقارنـة بالموانـئ السـودانية. وغالبـا مـا يُسـتبدل الذهـب المهـرب بهـذه الطريقـة بسـلع أساسـية ومسـتلزمات إنتـاج مـن البلديـن20.
كذلـك يطـال تأثيـر هـذه التطـورات الوقـود، الـذي يُعـدّ مـن أهـم سـلع التصديـر للسـودان ولجنـوب السـودان، حيـث يمـر أيضـا عبـر موانـئ الإمـارات، وقـد تعطلـت عمليـات شـحنه21. إذ أوقفـت مصافـي الإمـارات معالجـة النفـط الخـام السـوداني، وتوقفـت الموانـئ عـن إعـادة تصديـره.
يشـير عـدد مـن المصـادر إلـى أنـه رغـم إمكانيـة تصديـر السـلع عبـر موانـئ أخـرى، إلا أن ذلـك سـيرفع تكلفـة الشـحن ،مـا يقلـل مـن أربـاح الجانـب السـوداني ويدفـع بعـض المسـتوردين إلـى البحـث عـن مصـادر إمـداد بديلـة. وتتـراوح تقديـرات الزيـادة بـن 22%8 و51-23%20. ويشـير تقريـر حكومـي سـوداني غيـر منشـور، اطلـع عليـه الكاتـب، إلـى أن %05 مـن المصدريـن والمسـتوردين السـودانين يعتمـدون علـى مينـاء دبـي )المنطقـة الحـرة(، وأن الحظـر سـيرفع تكاليـف النقـل بنسـبة تصـل إلـى 24%70. ومـع ذلـك، سـيكون هـذا التأثيـر محـدوداً إذا تمكّـن المصـدرون مـن تحويـل شـحناتهم إلـى موانـئ السـعودية ومصـر وقطـر .وقـد بذلـت الحكومـة السـودانية جهـوداً فـي هـذا الصـدد، بمـا فـي ذلـك الزيـارة التـي قـام بهـا وزيـر المعـادن السـوداني إلـى مصـر25.
وكمـا ذكرنـا آنفـا ، كانـت الإمـارات العربيـة المتحـدة حتـى وقـت قريـب شـريكا تجاريـا رئيسـيا للسـودان. ويعـدّ النفـط المكـرر المسـتورد مـن أهـم المنتجـات التـي يسـتوردها السـودان26. وتشـير بيانـات بنـك السـودان لعـام 2024 أن السـودان اسـتورد %84.1 مـن إمداداتـه البتروليـة مـن الإمـارات، حيـث شـكّل الوقـود %4.87 مـن إجمالـي واردات السـودان مـن الإمـارات27. ولا يؤثـر انقطـاع واردات النفـط علـى الاسـتهلاك المحلـي فحسـب ،بـل يمتـد تأثيـره ليشـمل العمليـات العسـكرية التـي تتطلـب إمـدادات كبيـرة مـن الوقـود. كمـا يؤثـر هـذا الوضـع سـلبا علـى الإمـارات، التـي فقـدت النفـط الخـام الـذي كان يكـرر فـي الفجيـرة لإنتـاج وقـود البواخـر) VLSFO( المسـتخدم فـي المينـاء. وقـد أدّى ذلـك إلـى ارتفـاع الأسـعار بنسـبة تصـل الـى %15 مقارنـة بالموانـئ العالميـة الأخـرى28.
يلعـب النفـط دوراً مهمـا فـي الاقتصـاد بشـكل عـام، لذلـك كان محـور اهتمـام الأطـراف المتحاربـة. وهدفـت العديـد مـن العمليـات العسـكرية إلـى التأثيـر علـى خطـوط أنابيـب النفـط ومصافـي التكريـر ومواقـع الإنتـاج. ففـي هجومهـا علـى مدينـة بورتسـودان بالطائـرات المسـيرة فـي أغسـطس 2025 اسـتهدفت قـوات الدعـم السـريع مواقـع نفـط اسـتراتيجية .وفـي أعقـاب الإجـراءات الإماراتيـة، اسـتهدفت قـوات الدعـم السـريع منطقـة هجليـج، وهـي مركـز انتـاج نفطـي مهـم ،بطائـرات مسـيرة يومـي 26 و29 أغسـطس 2025. وقـد دفـع هـذا الاسـتهداف شـركات النفـط إلـى التلويـح بإيقـاف عملياتهـا وتدفـق النفـط مـن جنـوب السـودان عبـر خـط الأنابيـب القائـم29. وقـد سـيطرت قـوات الدعـم السـريع فـي نهايـة المطـاف علـى هجليـج، لكـن يقـال أنهـا أبرمـت اتفاقـا تولـت بموجبـه القـوات الجُنـوب سـودانية مسـؤولية تأمـن المنشـآت، بينمـا سُـمح للفـرق الفنيـة بمواصلـة عملياتهـا مـن دون انقطـاعّ30. وتعـد هجليـج المنطقـة السـودانية الوحيـدة المنتجـة للنفـط التـي اسـتمرت فـي العمـل منـذ بـدء الحـرب. وقـد عـزز هـذا الشـائعات التـي تفيـد بـأن قـوات الدعـم السـريع اسـتفادت مـن عائـدات النفـط، مـن خـلال تغييـر الرسـوم مقابـل السـماح باسـتمرار ضـخ النفـط وتشـغيل مصفـاة الجيلـي.
الإمـارات أحـد الشـركاء المصرفيـن الرئيسـين للسـودان، ممـا أسـهم فـي تبسـيط الإجـراءات والتدفقـات اللوجسـتية التجاريـة بـن البلديـن. وقـد حافظـت الشـركات السـودانية الخاصـة علـى حسـابات فـي النظـام المصرفـي الإماراتـي لعقود، وسدّدت معظم معاملاتها التجارية الخّارجية بالدرهم الإماراتي بدلاً من الدولار الأمريكي تجًنبا للعقوبات التجاريـة والماليـة الأمريكيـة الشـاملة التـي شـلت النظـام المصرفـي السـوداني منـذ عـام 1997. ونتيجـة لذلـك، تتمتـع البنـوك السـودانية وتدفقـات مدفوعاتهـا بروابـط قويـة عبـر دبـي وأبـو ظبـي، ممـا جعـل الإمـارات شـريكا اسـتراتيجيا مناسـبا رغـم قيـود العقوبـات وتدهـور العلاقـات الدبلوماسـية بعـد انـدلاع الحـرب. وكان مـن شـأن توسـيع نطـاق الحظـر بمـا يشـمل المعامـلات المصرفيـة بـن البلديـن أن يُلحـق أضـراراً بالغـة بالقطاعـن الخـاص والعـام فـي البلـد.
ردود فعل الحكومة السودانية
رداً علـى الحظـر الإماراتـي، عقـد مجلـس الأمـن والدفـاع والـوزارات الاقتصاديـة فـي بورتسـودان اجتماعـات طارئـة لتقييـم المخاطـر ووضـع خطـط لاسـتمرار الـواردات والصـادرات. وسـعت حكومـة الأمـر الواقـع إلـى تنويـع أسـواق الذهـب بشـكل عاجـل، فتحركـت لإيجـاد مشـترين جـدد فـي عُمـان وقطـر ومصـر وآسـيا. كمـا سـعت إلـى إعـادة توًجيـه شـحنات النفـط والسـلّع بعيـداً عـن موانـئ الإمـارات باسـتخدام موانـئ دول أخـرى وإرسـال بُعضهـا مباشـرة إلـى الأسـواق الآسـيوية. واتخـذت إجـراءات داخليـة، لتعديـل سياسـات الجمـارك والنقـل التـي كانـت تعطـي الإمـارات سـابقا امتيـازات لتسـهيل هـذه المسـارات البديلـة.
تطبيقـا لهـذه السياسـات، أصـدرت لجنـة الطـوارئ الاقتصاديـة برئاسـة رئيـس الـوزراء سلسـلة مـن الإجـراءات العاجلـة فـي أواخـر أغسـطس 2025 هدفـت، حسـب مـا هـو معلـن، إلـى التصـدي للتدهـور الاقتصـادي والتهريـب المتزايـد للذهـب، الـذي يعـد أهـم مصـادر النقـد الأجنبـي فـي البلـد، حيـث يُشـكّل %50.1 مـن إجمالـي صـادرات البـلاد. 31
جـاء فـي مقدمـة تلـك القـرارات احتـكار بيـع الذهـب لصالـح الدولـة عبـر بنـك السـودان المركـزي وفـق منشـور إدارة السياسـات التابعـة لـه رقـم 2025/14 مـن خـلال مـا يُطلـق عليـه «النافـذة السـودانية الموحـدة لصـادر الذهـب» والمرتبطـة بـوزارة المعـادن وهيئـة المواصفـات والمقاييـس32، لإتمـام جميـع الإجـراءات إلـى جانـب إطـلاق منصـة رقميـة لتتبـع حركـة البضائـع بهـدف تعزيـز الشـفافية 33. وقـد اشـترطت هـذه الآليـة علـى البائعـن البيـع بالسـعر الرسـمي، وهـو أقـل مـن سـعر السـوق الموازيـة. وأفـادت التقاريـر أن قـراراً صـدر فـي 21 أغسـطس يُجـرّم حيـازة الذهـب أو تخزينـه مـن دون وثائـق رسـمية باعتبـاره تهريبـا34. وتهـدف هـذه التدابيـر إلـى تعزيـز قـدرة الدولـة علـى تحصيـل العمـلات الأجنبيـة ومعالجـة انهيـار الجنيـه السـوداني. كمـا تعكـس اهتمامـا حكوميـا متزايـداً بمركـزة السـيطرة علـى صـادرات الذهـب وإدارتهـا.
لسـوء الحـظ، تُعـدّ هـذه الحزمـة مـن سياسـات تصديـر الذهـب تكـراراً لسياسـات سـابقة شـجّعت التهريـب علـى عكـس المـراد منهـا. وقـد خلقـت الفجـوة بـن الأسـعار الرسـمية وأسـعار السـوق حافـزاً قويـا لتهريـب الذهـب مـن قبـل المنتجـن والتجـار بعيـداً عـن القنـوات الرسـمية، ممـا كلـف البلـد مـوارد كبيـرة مـن النقـد الأجنبـي. وتشـير تقاريـر مسـتقلة إلـى أن مـا بـن %50 و%80 مـن إنتـاج الذهـب السـوداني يُهـرَّب، ممـا يُضعـف قـدرة البنـك المركـزي علـى السـيطرة علـى السـوق ويعمّـق الاقتصـاد المـوازي35. وقـد أدّى احتـكار البنـك المركـزي فيمـا مضـى لصـادرات الذهـب إلـى اقتصـار حصتـه علـى نسـبة ضئيلـة مـن الإنتـاج الفعلـي بسـبب تفشـي التهريـب36. علـى سـبيل المثـال، سـجّل البنـك المركـزي، بـن عامـي 2102 و2018، صـادرات بلغـت حوالـي 205,446 كيلوغرامـا، بينمـا سـجّل شـركاء السـودان التجاريـون واردات بلغـت 237,404
كيلوغرامـا، أي بفـارق 200 طنـا مـن الذهـب المهـرّب، مـا يعـادل %47.7 مـن قيمـة الصـادرات المُعلنـة، وخسـارة قدرهـا 11.4 مليـار دولار أمريكـي37. وقـد حُسـب هـذا الفـارق، كمـا هـو موضـح فـي الشـكل 1، عـن طريـق مقارنـة الـواردات الرسـمية مـن السـودان بأرقـام الإنتـاج وأرقـام واردات الإمـارات العربيـة المتحـدة.
عُدّلـت سياسـة احتـكار البنـك المركـزي بوصفـه المشـتري الإلزامـي للذهـب علـى مراحـل، بـدءاً مـن ينايـر 2020 أثنـاء الفتـرة الانتقاليـة وصـولاً إلـى فتـح الصـادرات للقطـاع الخـاص. وسُـمح للبنـوك الخاصـة وشـركات التعديـن الكبيـرة )شـركات الامتيـاز( بتصديـر %70 مـن إنتاجهـا، علـى أن تبـاع نسـبة الـ %30 المتبقيـة إلـى البنـك المركـزي. بالإضافـة إلـى ذلـك، كان علـى المصدريـن بيـع عائداتهـم مـن العمـلات الأجنبيـة إلـى البنـك المركـزي بالسـعر الرسـمي، الـذي يقـل كثيـراً عـن سـعر السـوق المـوازي38. ورغـم اسـتمرار التهريـب، إلا أن معدلـه انخفـض خـلال فتـرات معينـة مـن التحريـر الجزئـي ،كمـا هـو موضـح فـي الرسـم البيانـي أدنـاه.
حجم التبادل التجاري بن السوان والإمارات العربية المتحدة 2013 – 2023
يقارن الشـكل أدناه كميات الذهب المصدرة عن طريق البنك المركزي، مقابل الواردات الرسـمية من الإمارات العربيـة المتحـدة وإجمالـي الإنتـاج الرسـمي للسـودان. المصـدر: مركـز الدراسـات الاقتصاديـة والاجتماعيـة ،5202.

تميـل الفجـوة بـن بيانـات الـواردات والصـادرات، كمـا هـو موضـح فـي الشـكل أعـلاه، إلـى الاتسـاع فـي ظـل أنظمـة التصديـر الصارمـة أو الاحتكاريـة، لا سـيما عندمـا تخلـق تشـوهات سـعر الصـرف وإلـزام المصدّريـن بالتنـازل عـن جـزء مـن العمـلات الأجنبيـة دوافـع قويـة للاسـتفادة مـن فـروق الأسـعار. وفـي مثـل هـذه السـياقات، يمكـن أن تدفـع السـيطرة المركزيـة المفرطـة – خاصـة فـي ظـل اختـلالات الاقتصـاد الكلـي الأوسـع نطاقـا – المنتجـن والتجـار نحـو القنـوات الموازيـة أو غيـر الرسـمية.
فـي الوقـت نفسـه، لا يمكـن الحـد مـن التهريـب بمجـرد فتـح الصـادرات أمـام الشـركات الخاصـة. فبـدون إصلاحـات أوسـع نطاقـا فـي الاقتصاديـة الكلـي – لا سـيما ترشـيد سـعر الصـرف، وتحقيـق الاسـتقرار المالـي والنقـدي، وزيـادة الشـفافية فـي تسـويق الذهـب والإبـلاغ عنـه، وتعزيـز الرقابـة التنظيميـة – فـإن التحريـر وحـده يُنـذر بظهـور أشـكال جديـدة مـن التربـح غيـر المشـروع واحتـكار السـوق. وعـلاوة علـى ذلـك، فـإن الاعتمـاد المفـرط علـى شـريك تجـاري خارجـي واحـد يُفاقـم الهشاشـة الهيكليـة ويُضعـف القـدرة التفاوضيـة. لـذا، يتطلـب خفـض التدفقـات غيـر المشـروعة بشـكل دائـم إطـاراً اقتصاديـا كليـا متماسـكا، وعلاقـات تجاريـة متنوعـة، ومعامـلات تجاريـة موثوقـة، وليـس مجـرد التحـول المحـدود مـن احتـكار الدولـة إلـى مشـاركة القطـاع الخـاص فـي التصديـر.
فـي هـذا السـياق، أثـارت قـرارات الحكومـة ردود فعـل قويـة مـن شـركات تصديـر الذهـب وكبـار التجـار الذيـن سـعوا لإجبـار الحكومـة علـى التراجـع عـن تلـك السياسـات، وأدى هـذا الضغـط فـي نهايـة المطـاف إلـى الإطاحـة بمحافـظ بنـك السـودان المركـزي وتعيـن محافـظ جديـد سـرعان مـا تراجـع عـن تلـك السياسـات بإصـدار منشـور إدارة السياسـات رقـم 2025/17 الـذي أعـاد الأوضـاع إلـى مـا كانـت عليـه بالسـماح للشـركات الخاصـة والتجـار بتصديـر الذهـب بحـد أدنـى
10 كيلوغـرام لـكل عمليـة تصديـر. ثـم رفعـت القيـود بشـكل نهائـي فـي نوفمبـر 5202.
عمليـا، تسـبب تأرجـح السياسـات وعـدم التوافـق داخـل الحكومـة فـي توقـف عمليـات تصديـر الذهـب بشـكل شـبه كامـل خـلال الفتـرة بـن أغسـطس وأوائـل نوفمبـر. ورغـم تراجـع الحكومـة عـن تلـك القـرارات اسـتمرت الصعوبـات الناجمـة عـن الاعتمـاد شـبه الكامـل علـى دولـة واحًـدة. وقـد ركـزت جهـود الحكومـة علـى تجنـب تعطيـل عمليـات التصديـر، وفـق سياسـات قصيـرة المـدى متجاهلـة القضايـا الجوهريـة المتعلقـة بالسـيادة الوطنيـة والاسـتقلال.
الخلاصة
أدّى الحظـر الجـوي والبحـري الـذي فرضتـه الإمـارات العربيـة المتحـدة علـى السـودان إلـى تعطيـل حركـة البضائـع والمسـافرين بشـكل كبيـر عبـر مينـاء ومطـار السـودان الرئيسـين علـى سـاحل البحـر الأحمـر. وقـد أدى تعليـق الرحـلات الجويـة وحركـة السـفن التـي ترفـع علـم الإمـارات، إلـى جانـب منـع أو تحويـل تدفقـات الشـحن عبـر مراكـز النقـل الإماراتيـة، إلـى زيـادة حـادة فـي تكاليـف النقـل، وإطالـة أوقـات التسـليم، وتقليـص القـدرة التصديريـة للسـودان – لا سـيما فـي مجالـي الذهـب والنفـط. كمـا فرضـت هـذه الاضطرابـات ضغوطـا إضافيـة علـى سلاسـل الإمـداد الإنسـاني وعلـى السـوق المحليـة. وبينمـا لا يـزال مـن الصعـب تحديـد النطـاق الكامـل لتأثيـر هـذا الحظـر، تشـير الأدلـة المتاحـة إلـى تداعيـات تشـغيلية واقتصاديـة خطيـرة.
سـاعدت تدابيـر التخفيـف الجزئـي اللاحقـة للحظـر البحـري التـي اتخذتهـا سـلطات الأمـر الواقـع علـى تقليـل حـدة هـذه التأثيـرات مـن خـلال إعـادة توجيـه تجـارة السـودان إلـى شـركاء بديلـن، بمـا فـي ذلـك مصـر وقطـر والمملكـة العربية السـعودية. ومـع ذلـك، لا يسـتطيع سّـوى عـدد قليـل مـن المنافسـن مجـاراة اندمـاج الإمـارات فـي الأسـواق العالميـة وكفاءتهـا مـن حيـث التكلفـة. وقـد أثـرت السياسـات الإماراتيـة سـلبا علـى العديـد مـن قطاعـات الاقتصـاد السـوداني ،بمـا فـي ذلـك تدفقـات النفـط وحركـة السـلع الأساسـية. ومـع ذلـك، لـم يشـهد القطـاع المصرفـي اضطرابـا مماثـلاً ، وهـو مـا يعكـس علـى الأرجـح الترابـط المالـي العميـق بـن البلديـن، والآثـار بعيـدة المـدى التـي قـد تترتـب علـى أي اضطـراب فـي هـذا القطـاع علـى القطـاع الخـاص والعمليـات الإنسـانية، والاقتصـاد ككل. وهـذا يؤكـد الأهميـة الاسـتراتيجية لتنويـع العلاقـات الاقتصاديـة الإقليميـة للحفـاظ علـى الاسـتقلال الاقتصـادي وتخفيـف التبعيـة الهيكليـة.
وتُبـرز هـذه التطـورات مجتمعـةً سـمةً هيكليـةً لاقتصـاد الحـرب فـي الُسـودان. فالقيـود التجاريـة والجهـود الراميـة إلـى مركـزة الرقابـة علـى الصـادرات، لا سـيما فـي قطـاع الذهـب، لـم تقلـل النشـاط الاقتصـادي، لكـن حوّلتـه نحـو شـبكات غيـر رسـمية وعسـكرية وعابـرة للحـدود. ويُبـنّ الحصـار الإماراتـي واسـتجاباُت السياسـات السـودانية كيـف أن القيـود الاقتصاديـة، حـن تفـرض فـي ظـل الانهيـار المؤسسـي وتشـوهات الأسـعار، تعـزز الأسـواق الموازيـة بـدلاً مـن اسـتعادة سـلطة الدولـة، ممـا يُعيـد تشـكيل التدفقـات التجاريـة مـن دون تقييدهـا.

